«أتشطر على البردعة» يمثل السينما المصرية في مهرجانين دوليين بالإسكندرية والهند

 


تقرير : مروة السورى

يواصل المخرج سليمان حمزة حضوره في المحافل السينمائية الدولية من خلال فيلمه القصير «أتشطر على البردعة»، الذي يشارك في فعاليات مهرجانين سينمائيين خلال شهر سبتمبر الجاري، في خطوة جديدة تعكس الحضور المتزايد للأفلام المصرية القصيرة على خريطة المهرجانات الدولية.

ويشارك الفيلم في فعاليات Fimto Art Film Festival بمحافظة الإسكندرية، والمقام خلال الفترة من 5 إلى 9 سبتمبر الجاري، إلى جانب مشاركته في مهرجان K Vaikunth International Short Film Festival بدولة الهند، والمقرر أن تنطلق فعالياته خلال الفترة من 7 إلى 12 سبتمبر الجاري.

ويقدم «أتشطر على البردعة» معالجة درامية تجمع بين الواقعية الاجتماعية والسخرية والكوميديا السوداء، من خلال حكاية تبدو في ظاهرها بسيطة، لكنها تفتح الباب أمام مجموعة من الدلالات الإنسانية والاجتماعية المرتبطة بواقع المواطن البسيط وأحلامه المحدودة التي قد تتحول، بفعل الظروف الاقتصادية، إلى تحديات شاقة.

تدور أحداث الفيلم حول رجل من الريف، يجسد شخصيته الفنان ميشيل مساك، يحاول العثور على وسيلة تخفف عنه مشقة السير اليومية إلى مكان عمله. ولا يتجاوز حلمه شراء حمار يساعده في التنقل، فيدخر ما يستطيع من المال ويتوجه إلى سوق الحمير لتحقيق هذا الحلم البسيط، لكنه يصطدم بواقع آخر عندما يكتشف أن الأسعار تفوق إمكانياته المادية.

ومن هنا تنطلق المفارقة الدرامية التي يقوم عليها الفيلم؛ فالبطل لا يبحث عن الثراء أو حياة مترفة، وإنما عن قدر بسيط من الراحة يساعده على مواصلة حياته، إلا أن الظروف الاقتصادية تجعل حتى هذا الحلم المتواضع بعيد المنال.

ويتحول الحمار داخل الفيلم من مجرد وسيلة للمواصلات إلى رمز لمطلب إنساني أكثر اتساعًا، يتمثل في البحث عن الراحة والكرامة وتحسين تفاصيل الحياة اليومية، بينما يصبح سوق الحمير انعكاسًا مصغرًا للمجتمع، بما يحمله من تفاوتات وضغوط اقتصادية تجعل أبسط الاحتياجات محل صراع.

وتتجسد معاناة البطل في سلسلة من العراقيل التي تكشف مأزق الإنسان البسيط أمام متطلبات الحياة، حيث يتقاطع الحلم الصغير مع واقع اقتصادي لا يتيح له حتى تحقيق أبسط رغباته.

ورغم جدية القضية التي يطرحها، لا يتعامل الفيلم معها بصورة مباشرة أو خطابية، بل يعتمد على نَفَس ساخر قريب من الكوميديا السوداء، ليكشف مفارقات الواقع بأسلوب خفيف في ظاهره، لكنه يحمل تأثيرًا نقديًا واضحًا؛ فأن يصبح شراء حمار أو حتى مستلزماته أزمة حقيقية، يكشف حجم المسافة التي تفصل الإنسان البسيط عن أبسط مقومات الراحة.

ويبدو اختيار المخرج سليمان حمزة للبيئة الريفية جزءًا أساسيًا من المعالجة البصرية والدرامية، إذ يقترب الفيلم من تفاصيل الحياة اليومية لشخصياته دون افتعال، محولًا موقفًا عابرًا إلى مساحة للتأمل في علاقة الإنسان بالظروف المحيطة به.

اعتمد سليمان حمزة على أسلوب تصوير واقعي وحيوي، وكان من أبرز عناصر تميز الفيلم اختيار التصوير داخل سوق الحمير  في بيئة تبدو حقيقية وغير مصطنعة، وهو ما منح المشاهد إحساسًا قويًا بالصدق وملمسًا بصريًا يقترب في بعض لحظاته من الروح التسجيلية.

وتتحرك الكاميرا بين الوجوه والدواب وتفاصيل السوق، متوقفة عند ملامح المكان والحيوانات وتفاعلات الشخصيات، لتجعل من السوق عنصرًا دراميًا قائمًا بذاته، وليس مجرد خلفية للأحداث.

كما حضرت البيئة الريفية بقوة من خلال الصورة، حيث نجحت العدسة في التقاط تفاصيل المكان ببساطته وخصوصيته، مع التركيز على الملامح الإنسانية للشخصيات، وهو ما منح العمل حالة من الحميمية والواقعية.

وجاءت زوايا التصوير محسوبة بما يخدم الحالة النفسية للبطل، فتبدو المساحات أحيانًا ضيقة ومحدودة بما يعكس شعوره بالعجز والضغط، بينما تتسع الصورة في لحظات أخرى، في موازاة حالة الأمل التي يحملها في الوصول إلى هدفه.

أما الحوار، فجاء قريبًا من اللغة اليومية والطبيعية، بعيدًا عن الصياغات المتكلفة، وهو ما عزز من صدق الشخصيات ومنح الأحداث إحساسًا بأنها جزء من حياة حقيقية يمكن أن تحدث أمامنا، وليس مجرد موقف درامي مكتوب.

وفي النهاية، ينجح «أتشطر على البردعة» في تحويل حكاية بسيطة عن رجل يبحث عن حمار إلى حكاية أكبر عن الإنسان وأحلامه الصغيرة وصراعه مع الظروف الاقتصادية، مؤكدًا أن المعاناة لا ترتبط دائمًا بالأحلام الكبيرة، بل قد تبدأ من أبسط الأشياء التي تبدو في ظاهرها متاحة للجميع.

ويقدم الفيلم، من خلال سخريته وواقعيته، سؤالًا أكثر عمقًا حول معنى أن يسعى الإنسان إلى تحسين حياته في مجتمع قد تجعل ظروفه الاقتصادية من أبسط الاحتياجات تحديًا حقيقيًا، لتصبح المفارقة الأبرز أن امتلاك البردعة قد يبدو أصعب من امتلاك الحمار نفسه.

«أتشطر على البردعة»
إخراج: سليمان حمزة
قصة: عبد الله جاد
كتابة: محمد بصير وسليمان حمزة
مدير التصوير: محمد عاطف
مونتاج: يوسف أيمن
تلوين: عبد الرحمن طارق
مهندسة الديكور: نادين عبد الله
مهندسة الصوت: مريم أحمد محمد
الموسيقى التصويرية: إسلام شتوس
المكياج: روان علاء
مصمم الأزياء: محمد بصير
مديرة الإنتاج: فاطمة شعبان
إنتاج: ريد ستار وذا باسوين

Scroll to Top