أحمد بدر كرام يكشف عن “ثُريّا”.. المرأة التي واجهت الأرض بالحب والرفض

 

 

تقرير :مروة السورى

عرض فيلم ثريا خلال فعاليات ” أطياف من السينما المستقلة” .. في مركز الابداع الفني بدار الأوبرا ..بالتعاون بين حتحور للثقافة والفنون ، وصندوق التنمية الثقافية ، وشركة I am a Film ، ناقشت الندوه الكاتبة الصحفية والمخرجة ناهد نصر.

بين جنائز الصعيد وعويله، تظهر ثُريّا وحيدة، ملوّنة، سائرة في الاتجاه المعاكس. فيلم قصير، لكنه شديد الكثافة، يعيد طرح علاقة الإنسان بأرضه وتاريخه، ويمنح المرأة موقعها كحارسة للحياة في مواجهة سلطة ترى في الإنسان مجرد ثمن يُدفع مقابل كنز مدفون.

يأتي فيلم «ثُريّا» للمخرج أحمد بدر كعمل سينمائي محمّل بالدلالات التاريخية والرمزية، ومشحون بوعي واضح تجاه علاقة الإنسان المصري بجذوره الأولى، وبالأخص في صعيد مصر، ذلك الإقليم الذي ظل عبر العصور خزّانًا للحكايات الأثرية والطقوس والأساطير والهوية غير القابلة للمحو. والفيلم مُهدى بوضوح إلى روح اثنين من أهم من اشتغلوا على الذاكرة المصرية بصريًا وفكريًا: المخرجة عطيات الأبنودي، والمخرج شادي عبد السلام. وهذا الإهداء لا يأتي بوصفه تحية شكلية، بل كامتداد طبيعي لانتماء الفيلم لعالم الآثار والتراث والبحث عن جوهر الهوية المصرية.

يفتتح الفيلم بمقولة مأخوذة من «كتاب الموتى»، أحد أهم الوثائق الدينية والجنائزية في مصر القديمة، وهو اختيار ذكي يؤسس منذ اللحظة الأولى لعلاقة الفيلم بفكرة الخلود والأبدية، لا باعتبارها مفهومًا غيبيًا فقط، بل بوصفها صراعًا إنسانيًا مستمرًا من أجل البقاء والذاكرة والهوية. هنا يضعنا المخرج أمام مفتاح قراءة أساسي: ثُريّا ليست مجرد فتاة، بل امتداد رمزي لحفيدة المصريين القدماء.

تُقدَّم شخصية ثُريّا بوصفها نموذجًا للمرأة المصرية الأصيلة، ليس فقط من حيث الملامح أو الانتماء المكاني، ولكن من حيث القوة الداخلية والتمرد والإصرار على الحفاظ على الذات في مواجهة منظومة قهر اجتماعية واقتصادية متجذرة. ويتعامل المخرج مع المرأة هنا باعتبارها العنصر الإنساني المُشكِّل للحياة، والفاعل الأساسي في استمرارها، في إحالة واضحة إلى مكانة المرأة في الحضارة المصرية القديمة، حيث كانت شريكة في الخلق لا تابعة له. وكأن الفيلم يقول بشكل غير مباشر: بانكسار المرأة تنكسر الحضارة، وباختفائها تنقرض الحياة.

ينطلق الخط السردي للفيلم من أزمة إنسانية بسيطة في ظاهرها، عميقة في دلالاتها: مرض شقيق ثُريّا، وعجز الأب عن علاجه، واضطراره إلى النزول إلى الأرض والعمل رغم كبر سنه ومرضه. وهذا النزول لا يُقدَّم فقط كفعل اقتصادي اضطراري، بل ككسر لتقاليد القرية الراسخة، التي ترفض أن تنقلب الأدوار أو تُمس الصورة النمطية للرجل. وفي المقابل، تُصر ثُريّا على مساعدة أبيها، وتتمرد على هذا الرفض، مؤكدة أن الكرامة لا تتناقض مع العمل، وأن التقاليد التي تُهين الإنسان لا تستحق القداسة.

ومع تطور الأحداث، ينكشف لنا السياق الصعيدي الأوسع الذي يدور فيه الفيلم: عالم التنقيب غير الشرعي عن الآثار، وفتح المقابر، واستباحة التاريخ من أجل المال. هنا يظهر العمدة بوصفه رمزًا للسلطة الفاسدة التي تستغل ضعف البشر، فيساوم الأب العاجز على فتح المقبرة، ويشترط تقديم «قربان»، أو فدية، والقربان هذه المرة هو ثُريّا نفسها. في هذا الطرح، لا يُقدم الفيلم الجريمة بوصفها حدثًا فرديًا، بل كمنظومة متكاملة من الاستغلال، حيث يُباع الجسد، وتُداس الكرامة، ويُنهب التاريخ في صفقة واحدة.

يمثل قرار ثُريّا بالهرب لحظة تحوّل محورية في الفيلم، ليس فقط على مستوى الحدث، بل على مستوى الوعي. فهي لا تهرب خوفًا، بل رفضًا لأن تكون ضحية، أو قربانًا لفساد لم تصنعه. وعندما تتم عملية فتح المقبرة دون قتلها، تعود ثُريّا لتأخذ حقها بيدها، وتقطع الحبل على من نزلوا إلى باطن الأرض. ويحمل هذا الفعل دلالة رمزية شديدة القوة: فمن خان الأرض، تُغلق عليه الأرض، ومن تعامل مع التاريخ بوصفه غنيمة، يُدفن داخله.

على المستوى البصري، يعتمد أحمد بدر على كادرات سينمائية شديدة الدقة في رسم ملامح شخصية ثُريّا وعلاقتها بالأرض. وتتعامل الكاميرا مع الجسد الأنثوي لا بوصفه موضوعًا للفرجة، بل كجزء من المشهد الطبيعي؛ من التراب، ومن الحقول، ومن الجذور. كما يوظف المخرج المشاهد الجنائزية والعويل الشعبي ليخلق حالة من التناقض البصري والدرامي، خصوصًا في المشهد اللافت الذي تظهر فيه ثُريّا كالشخصية الوحيدة الملوّنة، تسير عكس اتجاه الجنازة. ويجسد هذا المشهد ببلاغة فكرة التمرد والسير عكس التيار، وكأن ثُريّا هي الحياة التي ترفض الانضمام إلى موكب الموت.

تمثل العلاقة بين ثُريّا وخالها بعدًا فلسفيًا مهمًا داخل الفيلم، خاصة في قوله لها إن سبب تيه الإنسان هو فقدانه لهويته. وتختصر هذه الجملة جوهر الفيلم كله: فالضياع ليس فقرًا ولا مرضًا ولا قهرًا فقط، بل هو انفصال عن الجذور، وعن الذاكرة، وعن معنى الانتماء. وتبدو ثُريّا، في اختياراتها وفي مقاومتها، كمن تحاول إعادة وصل ما انقطع بين الإنسان وتاريخه.

في المجمل، يُقدم فيلم «ثُريّا» تجربة سينمائية قصيرة لكنها كثيفة، تجمع بين البعد الأسطوري والواقعي، وبين الهم الإنساني والطرح الحضاري، وبين جماليات الصورة وعمق الفكرة. وهو فيلم لا يكتفي بسرد حكاية، بل يطرح سؤالًا مفتوحًا حول الهوية والمرأة والتاريخ، والثمن الذي يدفعه الإنسان حين يتحول الماضي إلى سلعة، والإنسان إلى قربان.

وجدير بالذكر أن العمل كان فيلم افتتاح “مهرجان الإسماعيلية الدولي للأفلام التسجيلية والقصيرة”,”الدورة 26″ في عرضه العالمي الأول، كما عُرض ضمن فعاليات “مهرجان القاهرة الدولي للفيلم القصير””الدورة السابعة”

Scroll to Top