“الأدهم”.. الحزن بوصفه متاهة نفسية ورفض الموت كحالة وجودية

 

 

 

 

تقرير : مروة السورى

لا يكتفي فيلم “الأدهم” للمخرجة إيمان حاتم بأن يكون عملًا دراميًا يدور حول حادث مأساوي أصاب أسرة بفقدان ابنها، بل يذهب إلى مساحة أكثر تعقيدًا، حيث تتحول المأساة من واقعة زمنية انتهت لحظة وقوعها إلى حالة نفسية ممتدة تعيد تشكيل وعي الشخصيات وعلاقاتها بالحياة والموت والذاكرة. وربما لهذا السبب جاء تتويج الفيلم بجائزة أفضل إخراج – جائزة داوود عبد السيد ضمن مهرجان العودة السينمائي الدولي منسجمًا مع طبيعة العمل الذي لا يراهن على الحدث بقدر ما يراهن على كيفية رؤية هذا الحدث من الداخل.

منذ اللحظات الأولى، يضع الفيلم المشاهد أمام حالة من الحزن الثقيل الذي يسيطر على الأسرة عقب حادث السيارة، لكن اللافت أن العمل لا يتعامل مع الفقد باعتباره نقطة انطلاق نحو تجاوز الألم، بل باعتباره بداية لانهيار بطيء تتداخل فيه الذكريات مع الأوهام والحقائق مع الإسقاطات النفسية. هنا لا يبدو الموت حدثًا مكتملًا، بل كيانًا حاضرًا يفرض وجوده على المكان وعلى الشخصيات، خصوصًا الأب الذي يصبح محورًا أساسيًا للسرد.

يتبنى الفيلم تيمة الحلم أو الكابوس بوصفها مدخلًا دراميًا لفهم العالم الداخلي للأب، الذي يظل مطاردًا بصورة الابن وبفكرة راسخة أن زوجته كانت سببًا في وفاته. هذا الاعتقاد لا يُقدَّم باعتباره حقيقة، بل بوصفه انعكاسًا لحالة إنكار أعمق يعيشها الأب نفسه، إذ تبدو الزوجة بالنسبة إليه حائطًا يسقط عليه ألمه وعجزه عن استيعاب الخسارة.

وتكمن براعة البناء الدرامي في أن الفيلم يوجه المتلقي عمدًا إلى قراءة أولية تضع الزوجة داخل دائرة الاتهام النفسي، خاصة مع حالتها المضطربة ورفضها العلاج، ليبدو أنها الطرف الأكثر هشاشة داخل المعادلة. غير أن تطور الأحداث يعيد تفكيك هذه الصورة تدريجيًا، فنكتشف أن ما بدا اضطرابًا عند الزوجة لم يكن سوى انعكاس لحصار نفسي فرضه الأب عبر مخاوفه وإسقاطاته، وأن المرض الحقيقي يسكن داخله هو، لا داخلها.

هذا التحول في زاوية الرؤية يمنح “الأدهم” بعدًا نفسيًا يتجاوز الميلودراما التقليدية. فالفيلم لا يبحث عن مذنب مباشر، ولا يطرح الموت بوصفه عقابًا أو قدرًا عابرًا، بل يقترب من فكرة أكثر تعقيدًا: كيف يتحول الحزن إلى آلية دفاعية تحمي الإنسان من مواجهة الحقيقة، وفي الوقت نفسه تدمره ببطء؟

الأب في الفيلم لا يرفض فقط فكرة غياب الابن، بل يرفض كذلك الاعتراف بأن الحياة استمرت بدونه. لذلك يظل الابن حاضرًا داخل وعيه بصورة تكاد تكون مادية، وكأن العلاقة بينهما لم تُقطع بالموت بل تجمدت عند لحظة الفقد. وهنا تظهر واحدة من أكثر ثيمات الفيلم حساسية، وهي رفض الموت، ليس باعتباره خوفًا من النهاية، وإنما رفضًا لفكرة الانفصال نفسها.

هذه التيمة شغلت السينما العالمية والعربية مرارًا، إذ ارتبطت غالبًا بأفلام تتناول الصدمة النفسية وما تخلّفه من تصدعات داخل الشخصية، لكن “الأدهم” يحاول تقديمها من زاوية قائمة على الارتباط المرضي بالذكرى. فالأب لا يحتفظ بالابن في ذاكرته بوصفه ماضيًا عزيزًا، بل يتعامل معه كوجود لم يغادر أصلًا، وهو ما يجعل الفيلم قريبًا من الدراسات النفسية التي ترى أن بعض حالات الحداد قد تتحول إلى حالة مرضية حين يصبح الفقد غير قابل للاستيعاب.

ومن هنا يمكن قراءة الفيلم باعتباره عملًا عن الذنب المقنع بالحزن. فالمشاعر التي يبديها الأب لا تبدو مجرد حب أبوي مكسور، وإنما تحمل في أعماقها شعورًا دفينًا بالمسؤولية أو التقصير، حتى لو لم يصرّح العمل بذلك بشكل مباشر. ولهذا يلجأ العقل إلى آلية الإسقاط؛ فيُحمّل الزوجة ما لا يستطيع احتماله داخل ذاته، لأن الاعتراف بالألم الحقيقي أكثر قسوة من اختراع متهم خارجي.

هذه المنطقة النفسية المعقدة هي ما يمنح الفيلم قيمته الأساسية، لأن العمل لا يقدم الشخصيات في صورة أبيض وأسود، بل يرسمها كضحايا لأوجاعهم الخاصة. الزوجة ليست شريرة ولا بريئة بالمفهوم التقليدي، والأب ليس طاغية بقدر ما هو إنسان مهزوم أمام فداحة الخسارة.

ومن اللافت أيضًا أن الفيلم يقترب من ثيمة الفقد من زاوية مغايرة لما اعتادت عليه السينما. ففي كثير من الأعمال يكون الابن هو الضحية النفسية لفقد الأب، بما يحمله ذلك من غياب للسند والحماية والهوية. أما في “الأدهم” فتنقلب المعادلة؛ الأب هو من يفقد الابن، وهي خسارة تبدو أكثر تصادمًا مع النظام الطبيعي للحياة. فالمجتمعات، مهما اختلفت ثقافاتها، تتقبل فكرة رحيل الآباء بوصفها جزءًا من دورة الحياة، لكنها تنظر إلى موت الأبناء باعتباره خللًا في ترتيب الوجود نفسه، ولهذا يكون تقبله أكثر قسوة وتعقيدًا.

على المستوى الإخراجي، تبدو إيمان حاتم واعية بطبيعة العالم الذي تصنعه. فالإخراج هنا لا يعتمد على المبالغة الانفعالية أو استدرار الدموع، بل على خلق مناخ نفسي ضاغط يجعل المشاهد يعيش حالة الشخصيات أكثر مما يراقبها. ويظهر ذلك في توظيف المساحات المغلقة، والإيقاع الهادئ الذي يسمح للحزن بالتسلل تدريجيًا، إضافة إلى حضور الحلم كعنصر بصري وسردي يربك الحدود بين الواقع واللاوعي.

ورغم أن الفيلم يتحرك داخل مساحة نفسية مألوفة نسبيًا، إلا أن قوته تكمن في محاولته تحويل الحزن من شعور عابر إلى شخصية قائمة بذاتها. فالحزن هنا ليس نتيجة للموت فقط، بل قوة تتحكم في العلاقات وتعيد تعريف الحب والاتهام والذاكرة.

وفي النهاية، لا يبدو “الأدهم” فيلمًا عن حادث سيارة بقدر ما هو فيلم عن البشر حين يعجزون عن تقبل النهاية. إنه عمل يناقش هشاشة الإنسان أمام الفقد، وكيف يمكن للذاكرة حين ترفض الغياب أن تتحول من وسيلة للاحتفاظ بالمحبوب إلى قيد يمنع صاحبه من النجاة. ومن هذه الزاوية، يطرح الفيلم سؤالًا موجعًا ومفتوحًا: هل نتمسك بالراحلين لأننا نحبهم فعلًا، أم لأن الاعتراف برحيلهم يعني الاعتراف بأن جزءًا منّا قد رحل معهم إلى الأبد؟

Scroll to Top