
تقرير : مروة السورى
يقدّم فيلم «السما بتقع» للمخرج مصطفى الجابريفاز والذى نال جائزة البرج الفضي وجائزة لجنة التحكيم لأفضل فيلم في مهرجان القاهرة الدولي للفيلم القصير فى دورته السابعه تجربة سينمائية تعتمد على الفكرة أكثر من الحدث، وعلى الصراع النفسي والفكري أكثر من الحركة، ليطرح تساؤلات عميقة حول السلطة، والخوف، والطاعة العمياء، وحدود التصديق، في إطار درامي مكثف يعتمد على لوكيشن واحد وشخصيات محدودة.
تنطلق فكرة الفيلم من موقف بسيط في ظاهره، لكنه شديد الخطورة في دلالته؛ حيث يدخل مدير مصنع فجأة على العمال، ويصدر أمرًا قاطعًا:
«محدش يطلع برا… السما بتقع».
الجملة تُقال بهدوء تام، دون أي انفعال أو اضطراب نفسي ظاهر، وهو ما يمنحها قوة أكبر، ويزرع الارتباك داخل نفوس العمال، الذين يجدون أنفسهم فجأة محاصرين بين الخوف من المجهول، والتسليم المطلق لسلطة المدير.
يعتمد الفيلم في بدايته على لحظات الصمت والترقب، حيث لا يحدث شيء ملموس، لكن التوتر يتصاعد تدريجيًا داخل المكان المغلق. ففكرة أن السماء قد تسقط، دون دليل، ودون إنذار سابق، تضع الجميع أمام اختبار نفسي حقيقي: هل نصدق لأن القائل هو صاحب السلطة؟ أم نشك لأن المنطق لا يدعم ما يُقال؟
مع تطور الأحداث، يظهر أحد العمال بوصفه صوت التمرد والعقلانية، حيث يرفض الانصياع الكامل، ويقرر أن يقود مجموعة من العمال إلى خارج المصنع، في محاولة لكسر فكرة السلطة الأبوية التي فرضها المدير، تلك السلطة التي لا تحتاج إلى عنف مباشر، بقدر ما تعتمد على الخوف المزروع داخل العقول.
الخروج من المصنع هنا لا يمثل مجرد حركة جسدية، بل فعلًا رمزيًا للتحرر من القيد الفكري، واختبارًا حقيقيًا لصدق الرواية المفروضة. في المقابل، يظل عامل واحد فقط داخل المصنع مع المدير، في صورة تعكس انقسام البشر دائمًا بين من يختارون المواجهة، ومن يفضلون البقاء داخل المنطقة الآمنة، مهما كانت مشحونة بالقلق.
المفارقة الدرامية الأهم في الفيلم تأتي حين نتفاجأ بأن المدير نفسه يتعرض لهزة نفسية، ويبدأ في الشك في الفكرة التي طرحها بثقة مطلقة في البداية. هذا التحول يفتح بابًا جديدًا للتأويل:
هل كان المدير مؤمنًا حقًا بما يقوله؟
أم كان يمارس دور السلطة دون قناعة كاملة؟
أم أنه هو نفسه ضحية لفكرة أكبر منه؟
يبلغ الفيلم ذروته في المشهد الأخير، حين يفتح المدير الشباك برفقة العامل الذي بقي معه، في لحظة مواجهة مباشرة مع الخارج، لينظر العامل إلى المدير ويطلق لفظًا اعتراضيًا، يختتم به الفيلم نهاية مفتوحة، تترك المشاهد أمام تساؤل بلا إجابة:
من كان على صواب؟
الذين خرجوا متحدّين الخوف؟
أم من بقوا متشككين حتى اللحظة الأخيرة؟
هذه النهاية المفتوحة تُعد أحد أهم عناصر قوة الفيلم، إذ يرفض المخرج تقديم إجابة جاهزة، ويترك الحكم للمشاهد، ليصبح شريكًا في التجربة لا متلقيًا سلبيًا.
اعتمد الفيلم بالكامل على لوكيشن واحد وهو المصنع، وهو اختيار ذكي يخدم الفكرة الأساسية، حيث يتحول المكان المغلق إلى رمز للحصار الفكري، والقيود غير المرئية التي تفرضها السلطة. هذا الاعتماد على مساحة واحدة تطلب مجهودًا كبيرًا على مستوى الإخراج والأداء، وهو ما نجح فيه العمل إلى حد كبير.
قدّم الممثلون أداءً تمثيليًا عالي المستوى، خاصة في التعبير عن الارتباك الداخلي، والخوف المكبوت، والتدرج النفسي في ردود الأفعال. وتحديدًا شخصية المدير، التي جاءت مركبة ومثيرة للجدل، حيث حافظ الممثل على هدوء ظاهري يخفي خلفه توترًا داخليًا، ما جعل الشخصية قابلة لتأويلات متعددة.
ومع ذلك، يلاحظ على الفيلم افتقاره إلى خلفية واضحة لشخصية المدير؛ إذ لم يمنحنا العمل أي إشارات كافية تبرر اقتناعه التام بفكرة «السما بتقع». هل هو شخص يعاني من اضطراب نفسي؟ هل هو مدمن؟ أم شخص طبيعي يتبنى فكرة عبثية ويحولها إلى حقيقة بفعل السلطة؟ هذا الغياب في الخلفية النفسية للشخصية، وإن كان قد يخدم الغموض، إلا أنه كان يمكن أن يمنح العمل عمقًا إضافيًا، ويجعل دوافع البطل أكثر منطقية وتأثيرًا.
على المستوى البصري، جاء التصوير جيدًا، مع توظيف موفق للإضاءة، التي ساعدت في خلق حالة من القلق والترقب داخل المصنع، دون مبالغة. الإضاءة لم تكن جمالية فقط، بل درامية، تخدم الحالة النفسية للشخصيات، وتعكس ضيق المكان وثقل الفكرة المسيطرة.
في مجمله، يمكن اعتبار «السما بتقع» فيلمًا عن الخوف المصنوع، وعن قدرة السلطة على فرض الوهم حين يُقدَّم بثقة وهدوء. فيلم يطرح سؤالًا شديد الأهمية: هل الخطر الحقيقي فيما يهددنا، أم فيمن يُقنعنا بوجوده؟
عمل يراهن على العقل أكثر من الصدمة، وعلى الفكرة أكثر من الحدث، ويترك أثره في ذهن المشاهد بعد انتهاء العرض، وهو ما يُحسب له كفيلم يشتبك مع الواقع الإنساني والسياسي دون مباشرة أو شعارات.
