
كتبت : مروة السورى
- أسماء الجعفري تتحدث عن “الطبقة السابعة”: فيلم صنعته لابني قبل أي شيء
- “الطبقة السابعة”.. أسماء الجعفري تكشف كواليس فيلمها عن الأمومة واكتئاب ما بعد الولادة
- أسماء الجعفري: الفيلم لم يكن عن الضعف بل عن الفهم والمواجهة
تحدثت المخرجة أسماء الجعفري عن فيلمها التسجيلي “الطبقة السابعة”، كاشفةً عن تجربة شخصية وإنسانية عميقة شكّلت ملامح العمل، الذي انطلق من لحظات الأمومة الأولى خلال فترة جائحة كورونا.
وأوضحت أن الفيلم بدأ قبل الولادة، حين اعتادت توثيق رحلة حملها وصور السونار الخاصة بابنها، دون إدراك وقتها لطبيعة اكتئاب ما بعد الولادة أو تأثيره النفسي. ومع ولادة ابنها بعملية قيصرية وبداية العزل المنزلي الذي فرضته الجائحة، وجدت نفسها داخل حالة من الخوف والقلق والعزلة، وسيطرت عليها هواجس الفقد ومصير مجهول، فتحولت الكاميرا إلى وسيلتها لفهم ما تعيشه وتوثيق علاقتها بابنها الذي كان يكبر داخل تلك العزلة.
وأكدت الجعفري أن الفيلم لم يبدأ كمشروع سينمائي مخطط له بقدر ما كان محاولة شخصية للنجاة والتعبير، نابعة من حبها للتصوير ورغبتها في الاحتفاظ بتلك اللحظات. وبعد تجاوزها الأزمة النفسية، أدركت أنها كانت تعاني من اكتئاب ما بعد الولادة، وهي تجربة قد تتفاقم مع غياب الدعم النفسي وبعد الأسرة أو عدم تفهم المحيطين لأهمية الرعاية النفسية للأم.
وأضافت أن رحلة البحث داخل الذات قادتها لاكتشاف امتداد أعمق للحكاية داخل تاريخ عائلتها، إذ علمت أن والدتها كانت تدرك معاناتها، خاصة مع وجود تجارب مشابهة داخل الأسرة تعود لعقود مضت. وتوقفت بشكل خاص أمام قصة عمتها التي وُصمت بالجنون وحُرمت من ابنها، دون أن تجمعها بها سوى صور قديمة عثرت عليها بعد رحيلهما.
ومن هنا، أعادت المخرجة تشكيل هذه الذاكرة بصريًا عبر فن الكولاج وخياطة الصور، في معالجة تشبه خياطة الجرح القيصري ذاته، لتفتح من خلالها ما وصفته بـ”جرح الطبقة السابعة”، ليس فقط بوصفه أثرًا جسديًا، بل كجرح عائلي وإنساني ظل صامتًا لسنوات. ومن خلال الفيلم، استعادت ذكرى عمتها وعلاقتها بابنها، وربطتها بتجربتها الخاصة مع ابنها، في محاولة لكسر الصمت المحيط باكتئاب ما بعد الولادة وإعادة قراءة ما كان يُساء فهمه أو يُختزل قديمًا في أوصاف قاسية.
وأشارت الجعفري إلى أن “الطبقة السابعة” جاء كتجربة بصرية مختلفة تكسر الشكل التقليدي للفيلم التسجيلي، وهو امتداد لدراستها ضمن قافلة “بين سينمائيات” أثناء فترة حملها، مؤكدة أن العودة إلى تلك المرحلة لم تكن سهلة، إذ تطلّب الفيلم مواجهة الجروح واستعادة تفاصيل مؤلمة، لكنها تؤمن بأن الفن يولد أحيانًا من المعاناة، وأن العمل ربما يساهم في تقديم وعي أكثر صدقًا حول تجربة تمر بها كثير من النساء، بينما يظل أثرها النفسي حاضرًا طويلًا.
فالفيلم يحمل بعدًا شخصيًا يتجاوز توثيق تجربة الأمومة واكتئاب ما بعد الولادة، إذ تعتبره رسالة مؤجلة لابنها ثائر قبل أن يكون عملًا سينمائيًا.
فتتمنى أن يشاهد ابنها الفيلم في المستقبل بوصفه شهادة صادقة عن مرحلة معقدة من حياتها، لا باعتبارها لحظة انكسار، بل رحلة بحث عن الفهم والتوازن واستعادة الذات عبر الصورة والسرد الفني.
فالعمل ينطلق من إيمان بأن التعبير عن الألم لا ينتقص من القوة، بل قد يكون أحد أشكالها الأكثر صدقًا، فمواجهة المشاعر والحديث عنها يمنح الإنسان قدرة على التصالح مع نفسه وتحويل التجربة القاسية إلى معرفة وخبرة يمكن مشاركتها مع الآخرين.
وترى الجعفري أن الفيلم يحمل أيضًا رؤية إنسانية لما تتمنى أن يدركه ابنها عن العلاقات والحياة، خاصة في فهمه لمعنى الرجولة، باعتبارها مساحة من المسؤولية والتعاطف والوعي، تقوم على الاحتواء والاحترام والقدرة على الإصغاء، لا على القسوة أو فرض السيطرة.
وتابعت أنها تتخيل ثائر في سنواته المقبلة وهو يشاهد نفسه طفلًا داخل الفيلم، ويفهم أن حضوره في هذا العمل لم يكن مجرد جزء من الحكاية، بل دافعًا لصناعتها منذ البداية، وأن الفيلم وُلد من رغبة في بناء فهم أعمق للعلاقة بين الأم وطفلها، وبين المرأة والرجل، وكيف يمكن للحب أن يتجاور مع الألم دون أن يلغيه.
واختتمت حديثها بالتأكيد على أن تجربتها الشخصية لم تكن مساحة للهشاشة بقدر ما كانت فعلًا من أفعال المقاومة والتأمل، وأن وجود ابنها في حياتها منحها قدرة أكبر على الاستمرار والمواجهة، ليصبح الفيلم في جوهره حكاية عن الحب الذي يمنح الإنسان الشجاعة ليحكي ويواجه ويستمر.
