«حاجة وستين في شارع رأس التين».. رحلة البحث عن الذات في ذاكرة الإسكندرية

 

كتبت : مروة السورى

تأخذنا المخرجة هديل عاشور في فيلمها التسجيلي القصير «حاجة وستين في شارع رأس التين» إلى رحلة شديدة الخصوصية داخل مدينة الإسكندرية، المدينة التي تراها لا بوصفها مكانًا أو ذاكرة جماعية، بل ككائن حي يختزن مشاعرها وتاريخ أسرتها ويعكس هويتها النفسية والتراثية. الفيلم هو مشروع تخرجها من مدرسة سينما الجزويت بالإسكندرية التابع لمركز الجزويت الثقافى  لعام 2024 – 2025، لكنه يحمل نضجًا بصريًا وفكريًا واضحًا يكشف عن رؤية مخرجة تمتلك حسًا إنسانيًا عميقًا تجاه المكان والذاكرة.

منذ المشهد الأول، تعلن هديل أنها لا تبحث عن الإسكندرية كما يعرفها الآخرون — بشوارعها، أو بحرها، أو تراثها الكلاسيكي — بل تبحث عن الإسكندرية التي بداخلها. تلك المدينة التي تتجسد في صور الأجداد والبيوت القديمة، وفي الروائح والأصوات والانتقالات التي عاشتها عائلتها من بيت إلى آخر. تقول في أحد المقاطع المعبرة: «كنت بحاول أجمع خيوط الزمن من خلال علاقتي النفسية بالإسكندرية»، وهي الجملة التي تلخص جوهر الفيلم: البحث عن الذات من خلال ذاكرة المكان.

اعتمدت المخرجة على الصور الفوتوغرافية القديمة كخيوط بصرية تربط الماضي بالحاضر، لتجعل من كل لقطة صورة متحركة بالحنين والدهشة. ومع توظيفها الذكي للقطات الوثائقية والانتقالات الهادئة، بدت الصورة وكأنها تحاول هي الأخرى أن تتنفس وتستعيد دفئها المفقود. التصوير جاء بسيطًا لكنه دافئ، استخدم الألوان الباهتة والضوء الطبيعي ليعكس مرور الزمن وذبول التفاصيل، وكأن الكاميرا نفسها تتذكر.

يُحسب لهديل عاشور أنها مزجت بين الشخصي والجماعي بسلاسة؛ فحكاية بيت الجد في وش قصر ثقافة الأنفوشي، والرحلة للبحث عنه في نهاية الفيلم، لم تكن مجرد تتبع مكاني بل كانت عودة داخل النفس. في لحظة الوصول إلى البيت القديم، لا تبحث المخرجة عن باب مفتوح، بل عن شعور بالانتماء كانت تظن أنه ضاع في الزحام، وهنا يتحول الفيلم إلى تجربة وجدانية أكثر منه عملًا توثيقيًا.

الإخراج جاء متوازنًا بين الحس الشعري والواقعي، فاللقطات الثابتة أحيانًا واللقطات المتحركة البطيئة أحيانًا أخرى عكست ثقل الذكريات ورهافة الحنين. كما كان اختيار الموسيقى والصوت موفقًا جدًا، إذ ساهم في خلق حالة تأملية دفعت المشاهد لأن يعيش التجربة لا كمُشاهد خارجي، بل كمن يستعيد ذاكرته هو أيضًا.

في النهاية، «حاجة وستين في شارع رأس التين» ليس مجرد فيلم عن الإسكندرية، بل عن الإنسان الذى يبحث في شوارع المدينة عن ذاته الضائعة. هو محاولة لأن تستعيد المخرجة توازنها النفسي عبر استرجاع الأماكن التي شكّلتها، لتثبت أن الذاكرة لا تسكن البيوت فقط، بل تسكن القلوب التي تفتش عنها.

Scroll to Top