«رحلة البحث عن رائحة السيد البحر».. حين تتحول رائحة البحر إلى سؤال عن الإسكندرية التي غابت

 

تقرير : مروة السورى

لا تبحث بعض الأفلام التسجيلية عن حكاية بالمعنى التقليدي، بقدر ما تبحث عن أثرٍ تركته الحكايات في الذاكرة. ومن هذا المنطلق يأتي الفيلم التسجيلي المصري «رحلة البحث عن رائحة السيد البحر» للمخرج أحمد الرومي، المشارك ضمن برنامج الأفلام القصيرة الدولية في فعاليات مهرجان PASAJE الدولي للسينما (PIFF) المقام في رومانيا، ليقدم تجربة بصرية وتأملية تنطلق من سؤال يبدو بسيطًا في ظاهره، لكنه يحمل خلفه طبقات متراكمة من الذاكرة والحنين والتحولات التي شهدتها مدينة الإسكندرية.

ويُعد الفيلم العمل المصري الوحيد ضمن قائمة الأفلام القصيرة المشاركة في المهرجان، والتي تضم عشرة أفلام من تسع دول هي: فرنسا، رومانيا، كندا، الفلبين، بلغاريا، المملكة المتحدة، سويسرا، تونس، ومصر، وهو ما يمنح التجربة المصرية حضورًا خاصًا داخل برنامج دولي متنوع الثقافات والرؤى.

سؤال بسيط.. أم سؤال عن مدينة بأكملها؟

من أكثر عناصر الفيلم لفتًا للانتباه أن المخرج لا يبدأ من قضية ضخمة أو حدث تاريخي محدد، وإنما من سؤال حسي شديد البساطة:

«ريحة البحر راحت فين؟»

سؤال يحمل في الوقت نفسه نبرة استفهام واستنكار، وكأنه لا يبحث عن إجابة جغرافية بقدر ما يحاول اكتشاف ما إذا كانت الإسكندرية نفسها قد فقدت شيئًا من روحها.

يتجول المخرج بالسؤال بين عدد من سكان الإسكندرية، محاولًا استدعاء ذاكرتهم الحسية تجاه البحر، وتحديدًا تلك الرائحة المرتبطة باليود والهواء البحري، والتي ارتبطت في وجدان الكثيرين بصورة الإسكندرية القديمة. وهنا تتحول الرائحة من مجرد إحساس عابر إلى علامة من علامات المكان؛ فكما يمكن لحنٍ موسيقي أو صورة قديمة أن يستدعي زمنًا بأكمله، تستطيع رائحة البحر أن تعيد الإنسان إلى مدينة عاشها أو أحبها أو فقد جزءًا منها.

«السيد البحر».. شخصية غائبة لا نراها

اختيار المخرج لتسمية البحر بـ «السيد البحر» ليس مجرد اختيار شاعري للعنوان، وإنما يمنح البحر حضورًا شبه إنساني داخل الفيلم. نحن لا نتعامل مع البحر باعتباره خلفية للأحداث، وإنما باعتباره شخصية لها ذاكرة وحضور وتأثير.

لكن المفارقة الأساسية أن هذه الشخصية لا تظهر بالطريقة التقليدية؛ فالمخرج يبحث عن رائحتها.

ومن هنا تأتي الفكرة الأكثر ذكاءً في التجربة: البحث عن شيء غير مرئي، لا يمكن الإمساك به أو تصويره بسهولة، وتحويله إلى محور لفيلم بصري. فكيف يمكن للكاميرا أن تصور الرائحة؟ وكيف يمكن أن تبحث عن إحساس يعيش في الذاكرة أكثر مما يعيش في المكان؟

هذه المفارقة تمنح الفيلم مساحة تأملية، وتجعل عملية البحث نفسها هي موضوع الفيلم، وليس الوصول إلى إجابة نهائية.

من رائحة البحر إلى رائحة الذاكرة

مع انتقال السؤال بين سكان الإسكندرية، يبدو أن المخرج لا يبحث فقط عن الرائحة التي تميز البحر، وإنما يبحث عن الإسكندرية التي ارتبطت بهذه الرائحة.

فالإسكندرية في الفيلم ليست مجرد مدينة ساحلية، وإنما مساحة متشابكة من الفن والحضارة والتاريخ والثقافة، ومدينة لها مفرداتها الخاصة التي صنعت هويتها؛ من البحر والترام إلى الشوارع القديمة، ومن تفاصيل الحياة اليومية إلى صورة «الزمن الجميل» التي ما زالت حاضرة في ذاكرة كثير من سكانها.

وهنا تصبح الرائحة رمزًا لما هو أكبر منها.

فحين يقول البعض إن الرائحة «راحت مع اللي راحوا»، فإن الجملة تتجاوز معناها المباشر لتطرح سؤالًا أكثر قسوة: هل الذي اختفى هو رائحة البحر فعلًا، أم أن الذين كانوا قادرين على شمها بالطريقة نفسها هم الذين رحلوا؟

وهذه واحدة من أهم نقاط قوة الفيلم، لأنه لا يفرض إجابة مباشرة، وإنما يترك المتلقي أمام مساحة من الشك والتأمل.

الإسكندرية بين ما كان وما أصبح

يمكن قراءة الفيلم أيضًا باعتباره محاولة لرصد التحولات التي طرأت على علاقة الإنسان السكندري بمدينته.

فالإسكندرية التي يعرفها البعض من خلال صور الأبيض والأسود، والترام، والكورنيش، والمباني القديمة، وحكايات البحر، تقف في مواجهة إسكندرية أخرى أكثر ازدحامًا وتغيرًا، تتبدل فيها التفاصيل وتتراجع بعض العلامات التي ارتبطت بصورة المدينة القديمة.

ومن هنا لا يصبح السؤال: «أين ذهبت رائحة البحر؟» مجرد بحث عن عنصر طبيعي، وإنما يصبح سؤالًا عن تغير المكان وتغير علاقتنا به.

فالأماكن لا تتغير وحدها؛ الإنسان أيضًا يتغير، وذاكرته تتبدل، وما كان يراه جزءًا طبيعيًا من حياته يصبح بعد سنوات ذكرى يبحث عنها.

التسجيلية هنا ليست نقلًا للواقع فقط

يعتمد الفيلم على مدخل تسجيلي بسيط قائم على سؤال ومجموعة من الإجابات، لكن قيمة التجربة لا تكمن في الإجابات وحدها، وإنما في الدلالة التي تتشكل بينها.

فالمخرج لا يقدم دراسة علمية عن أسباب اختفاء رائحة اليود، ولا يحول الفيلم إلى تحقيق جغرافي أو بيئي، وإنما يستخدم السؤال كأداة لاستدعاء ذاكرة المدينة.

وهنا يتقاطع الفيلم مع أحد أهم أدوار السينما التسجيلية: أن تجعل التفاصيل اليومية الصغيرة مدخلًا لفهم قضايا أكبر.

فبدلًا من الحديث المباشر عن فقدان الذاكرة الجماعية أو تغير المدن، يضع أحمد الرومي المتلقي أمام سؤال حسي يستطيع أي شخص أن يتفاعل معه: رائحة يعرفها، مكان يفتقده، أو إحساس قديم لم يعد قادرًا على استعادته بالطريقة نفسها.

قوة الفيلم في بساطة فكرته

قد تبدو فكرة الفيلم شديدة البساطة، وهذه تحديدًا إحدى نقاط قوتها. فالفيلم لا يحتاج إلى قضية ضخمة كي يفتح بابًا واسعًا للتأمل.

رائحة البحر تصبح هنا استعارة للحنين، والبحث عنها يصبح بحثًا عن زمن، والسؤال الموجه إلى سكان الإسكندرية يتحول إلى محاولة جماعية لاستعادة شيء من ذاكرة المدينة.

وربما لهذا السبب يحمل الفيلم قدرة على التواصل مع المشاهد حتى وإن لم يكن إسكندرانيًا؛ لأن الإحساس بفقدان شيء ارتبط بالمكان ليس إحساسًا محليًا، وإنما تجربة إنسانية يمكن أن يعيشها أي شخص تجاه مدينته أو بيته أو الأشخاص الذين غادروا حياته.

بين البحر والإنسان.. من يبحث عن الآخر؟

في النهاية، لا يقدم «رحلة البحث عن رائحة السيد البحر» إجابة قاطعة عن المكان الذي ذهبت إليه رائحة البحر، وربما لم يكن هذا هو هدف الفيلم من الأساس.

فالرحلة الأهم ليست رحلة البحث عن الرائحة، وإنما رحلة البحث عن الإسكندرية داخل ذاكرة أهلها.

يضع أحمد الرومي البحر في مواجهة الإنسان، ويجعل من الرائحة جسرًا بين الحاضر والماضي، وبين المدينة كما هي الآن والمدينة التي تسكن في وجدان من عاشوا تفاصيلها القديمة.

ولعل أكثر ما يتركه الفيلم بعد انتهائه هو أن السؤال الذي بدأ به لا ينتهي مع آخر مشهد؛ بل ينتقل إلى المشاهد نفسه:

ماذا لو كانت بعض الأشياء التي نفتقدها لم تختفِ فعلًا؟ ماذا لو أن الذي تغير هو نحن، وأن المدن تظل محتفظة بذاكرتها في أماكن لا نعرف كيف نصل إليها؟

من هنا يكتسب «رحلة البحث عن رائحة السيد البحر» قيمته كتجربة تسجيلية تتجاوز البحث عن رائحة طبيعية، لتصبح بحثًا عن رائحة الزمن، وذاكرة المكان، وروح الإسكندرية التي ربما لم تختفِ، وإنما أصبحت تحتاج إلى من يبحث عنها.

Scroll to Top