“ست”.. قراءة معاصرة للأسطورة عبر عيون بائعات سوق الخضار

 

تقرير : مروة السورى

يأتي فيلم “ست” كمحاولة جريئة من مخرجته الشابة رناد يسرى والذى يشارك  ضمن فاعليات الدورة الثانية من مهرجان جيلنا “الفن من أجل الحياة” والذى سوف يقام بالمركز الكاثوليكي المصري للسينما والذي يُقام في الفترة من ٧ إلى ١٠ أكتوبر ، لتقديم قراءة بصرية وفلسفية جديدة لرمزية الإله الفرعوني “ست” – الذي ارتبط في الميثولوجيا المصرية القديمة بالشر والبطش كونه قتل أخيه “أوزوريس”، رمز الخير. المخرجة لم تكتفِ بتقديم الأسطورة كما هي، بل أعادت صياغتها في قالب معاصر عبر مقاربة بين “ست” وواقع النساء البسيطات في المجتمع الشعبي، لتمنح الحكاية بعدًا اجتماعيًا وإنسانيًا جديدًا.

الفيلم يربط بين صورة “ست” في المخيال الشعبي كرمز للقوة السلبية وبين نظرة المجتمع للمرأة القوية، التي يُنظر إليها باعتبارها متسلطة، والمرأة الواعية على أنها لا تبالي ولا تنصاع. وهنا يظهر الإسقاط الذكي الذي أبدعته المخرجة عبر نموذجين من الحياة اليومية هما أم محمد وأم أحمد – سيدتان بسيطتان تعملان كبائعات في سوق الخضار، تكافحان من أجل لقمة العيش وسط قسوة الشارع وقوانين المجتمع.

التعليق الصوتي الذي قدّمته مريم شعلان شكّل عنصرًا محوريًا في الفيلم، حيث جاء صوتها متدرجًا بين الطابع الفرعوني الملحمي والنبرة الشعبية القريبة من الناس، مما خلق تناغمًا خاصًا بين الأسطورة والواقع. حضور الصوت العميق أعاد للأحداث بُعدًا أسطوريًا بينما ظل راسخًا في تفاصيل الشارع وأصواته.

أما على مستوى الصورة، فقد كان للتصوير دور بارز في إبراز الفكرة. الكاميرا لم تختر المشاهد السهلة أو المهيأة، بل اقتحمت السوق الشعبي بأجوائه المكتظة، لتصور حركة بيع الجبنة القديمة وفرز الخضار وتبادل الأصوات بين الباعة والمشترين. هذا التوثيق الواقعي الصعب جعل الصورة قاسية أحيانًا، لكنها عكست بدقة البيئة التي تنتمي إليها البطلات، وأكدت أن الكاميرا كانت في قلب الحياة، لا على هامشها.

الإخراج ركّز على ملامح الشخصيات ونظراتهن، وهو ما منح المتفرج نافذة إلى داخل أرواحهن المقهورة ولكن الصامدة. بدا واضحًا أن المخرجة أرادت أن تطرح تساؤلات أكثر من أن تقدّم إجابات: هل “ست” فعلًا هو رمز الشر، أم أنه تعبير عن إنسان مقهور لم يجد لنفسه مكانًا في معادلة العدالة؟ وهل المرأة القوية في المجتمع الشعبي “مجرمة” كما يُصوَّر لها، أم أنها فقط تبحث عن كيانها وحقوقها؟

الفيلم ككل جاء تجربة غنية ومغايرة، استندت إلى نص بصري واجتماعي ذكي، واعتمدت على معايشة المكان والشخصيات، ما جعل “ست” يتجاوز كونه مشروع تخرج من المدرسة العربية للسينما والتلفزيون تحت إشراف د. منى الصبان، ليصبح تجربة تحمل ملامح مشروع سينمائي مكتمل برؤيته الفكرية والبصرية.

Scroll to Top