
تقرير : مروة السورى
احتضنت سينما الهناجر أمسية سينمائية جديدة ضمن فعاليات نادي سينما المرأة، الذي ينظمه المركز القومي للسينما برئاسة الدكتور أحمد صالح، وتديره الناقدة السينمائية شاهندة محمد علي، حيث خُصصت الفعالية لعرض عدد من التجارب السينمائية المنجزة ضمن مشروعات مدرسة السينما والتليفزيون.
وجاءت الأمسية بمثابة مساحة لعرض رؤى وتجارب سينمائية شابة تنوعت موضوعاتها بين قضايا المرأة والأسرة وأسئلة الهوية والعلاقات الإنسانية، مع اختلاف المعالجات والأساليب التي قدم بها صناع الأفلام أفكارهم على الشاشة.
وتضمن برنامج العرض مجموعة من الأفلام القصيرة، من بينها
«كده وكده» لسماح عنتر، و«نسيت مين أنا» لمحمود صابر، و«انعكاس» لهاجر التونسي، و«سِت» لرناد يسري، و«شروق في عز الضهر» لنهى نبيل، و«حلم وحياة» ليارا عبيد، إلى جانب فيلم الست بسيمة للمخرجة سارة البرتقالى
- كدة وكدة للمخرجة سماح عنتر
يطرح الفيلم القصير «كده وكده» للمخرجة سماح عنتر قضية اجتماعية شديدة الحساسية، من خلال حكاية امرأة تجد نفسها في مواجهة تبعات الانفصال، فتدخل في زواج عرفي بهدف الحفاظ على معاش والدها والقدرة على الإنفاق على نفسها، قبل أن تتطور الأحداث وتكشف لها الوجه الآخر لهذا القرار.
الفيلم لا يتوقف عند فكرة الزواج العرفي باعتبارها مجرد حل مؤقت لمشكلة مادية، وإنما يضع الشخصية النسائية أمام سلسلة من النتائج التي تتجاوز اللحظة التي اتُخذ فيها القرار، لتتحول محاولتها البحث عن الأمان والاستقلال إلى مأزق جديد يحمل تبعات إنسانية واجتماعية قاسية.
وتزداد حدة الصراع مع تطور العلاقة بين الزوج وزوجته، خاصة بعدما يكشف الزوج عن انتهازيته ويتخلى عنها في الوقت الذي كانت فيه في أمسّ الحاجة إلى السند. وهنا ينتقل الفيلم من مناقشة فكرة الزواج العرفي إلى طرح سؤال أوسع حول استغلال احتياج المرأة، والثمن الذي يمكن أن تدفعه عندما تصبح في مواجهة رجل يتعامل مع العلاقة باعتبارها فرصة لمصلحته الشخصية.
ومن النقاط اللافتة في البناء الدرامي أن الفيلم لا يكتفي بتقديم المرأة باعتبارها الطرف المتضرر، وإنما يمنح الأحداث مساحة لتكشف عواقب أفعال الزوج نفسه؛ فبعد غدره بها، تأتي النهاية لتضعه أمام نتيجة ما فعله، في تأكيد درامي على أن الخداع والاستغلال لا يمران بالضرورة دون تبعات.
- نسيت مين أنا للمخرج محمود صابر
يقترب فيلم “نسيت مين أنا” للمخرج محمود صابر ، مشروع تخرج من المدرسة العربية للسينما والتلفزيون ، من منطقة شديدة الحساسية؛ حيث لا يتعامل مع مرض الزهايمر باعتباره حالة طبية فحسب، بل يقدمه بوصفه انعكاسًا لفقدان الإنسان إحساسه بذاته عندما تفرض عليه الوحدة عزلة قاسية. فمنذ مشاهده الأولى، يطرح الفيلم سؤالًا وجوديًا: هل ينسى الإنسان اسمه أولًا، أم ينسى نفسه عندما يتوقف الآخرون عن مشاركته الحياة؟
تجسد الفنانة أميرة فريد شخصية امرأة مسنة تعيش بمفردها بعد وفاة زوجها وسفر ابنتها، لتجد نفسها أسيرة منزل يزداد اتساعًا كلما تقلص حضور البشر فيه. وبين جدران هذا المكان تبدأ ملامح الزهايمر في الظهور تدريجيًا، لكنها في الحقيقة ليست سوى وجه آخر للوحدة، إذ يصبح النسيان نتيجة طبيعية لغياب الحوار، وغياب الذكريات المشتركة، وغياب من يذكرها بأنها لا تزال موجودة.
ما يميز الفيلم أنه لا يندفع نحو الميلودراما أو استدرار التعاطف المباشر، بل يبني عالمه من تفاصيل يومية بسيطة تتحول إلى علامات نفسية عميقة. فالمنزل لم يعد مجرد مكان للسكن، وإنما مساحة مغلقة تعكس اضطراب الشخصية، وكل ركن فيه يحمل أثرًا لذاكرة تتآكل ببطء.
ومن أكثر عناصر الفيلم ثراءً استخدامه للرمز البصري. فـكوب النعناع لا يبدو مجرد مشروب اعتيادي، وإنما يتحول إلى أثر حميمي لزمن مضى، وإلى عادة تحاول البطلة التشبث بها كي تمنع ذاكرتها من الانهيار الكامل. إنه تفصيل صغير، لكنه يختزن تاريخًا من الألفة، وكأن الاحتفاظ به محاولة أخيرة للاحتفاظ بالحياة نفسها.
- انعكاس للمخرجة هاجر التونسى
تتمحور قصة الفيلم حول فتاة تعيش صراعًا داخليًا متواصلًا، إذ لا ترى في نفسها ما يستحق التقدير، وتقع أسيرة لمعايير سطحية للجمال، حيث تقارن صورتها طوال الوقت بصور فتيات أخريات. هذه المقارنات المتكررة تعمّق شعورها بالنقص وتدفعها إلى حالة من التوتر والاغتراب عن ذاتها، حتى تصل إلى لحظة مفصلية عندما ترى حلمًا يكشف لها زاوية مختلفة عن حياتها. ففي ذلك الحلم، تقف أمام مرآة قديمة ومتربة داخل غرفتها، وهناك تكتشف أن الغبار المتراكم ليس مجرد مظهر خارجي، بل رمز لكل الشكوك والصراعات التي حجبت عنها حقيقتها. ومن خلال هذه اللحظة الرمزية، تبدأ رحلة البطلة في استعادة ثقتها بنفسها، لتصل إلى قناعة عميقة مفادها أن الجمال الحقيقي لا يكمن في ملامح الوجه وحدها، بل في قدرة الإنسان على التصالح مع ذاته والرضا عن نفسه.
على المستوى الفني، برزت بصمة مديرة التصوير إسراء سليم في التعبير البصري عن حالة البطلة، حيث استخدمت لقطات مقربة close-ups لملامح الوجه والعينين لإظهار الارتباك الداخلي والصراع النفسي. كما جاءت الإضاءة بدرجات باهتة وباردة في البداية لتعكس إحساس البطلة بالعزلة والتشتت، قبل أن تتغير تدريجيًا مع تحولها الداخلي، لتصبح أكثر دفئًا ووضوحًا، في تجسيد بصري لفكرة التصالح والقبول.
- ست للمخرجة رناد يسرى
يأتي فيلم “ست” كمحاولة جريئة من مخرجته الشابة رناد يسرى لتقديم قراءة بصرية وفلسفية جديدة لرمزية الإله الفرعوني “ست” – الذي ارتبط في الميثولوجيا المصرية القديمة بالشر والبطش كونه قتل أخيه “أوزوريس”، رمز الخير. المخرجة لم تكتفِ بتقديم الأسطورة كما هي، بل أعادت صياغتها في قالب معاصر عبر مقاربة بين “ست” وواقع النساء البسيطات في المجتمع الشعبي، لتمنح الحكاية بعدًا اجتماعيًا وإنسانيًا جديدًا.
الفيلم يربط بين صورة “ست” في المخيال الشعبي كرمز للقوة السلبية وبين نظرة المجتمع للمرأة القوية، التي يُنظر إليها باعتبارها متسلطة، والمرأة الواعية على أنها لا تبالي ولا تنصاع. وهنا يظهر الإسقاط الذكي الذي أبدعته المخرجة عبر نموذجين من الحياة اليومية هما أم محمد وأم أحمد – سيدتان بسيطتان تعملان كبائعات في سوق الخضار، تكافحان من أجل لقمة العيش وسط قسوة الشارع وقوانين المجتمع.
التعليق الصوتي الذي قدّمته مريم شعلان شكّل عنصرًا محوريًا في الفيلم، حيث جاء صوتها متدرجًا بين الطابع الفرعوني الملحمي والنبرة الشعبية القريبة من الناس، مما خلق تناغمًا خاصًا بين الأسطورة والواقع. حضور الصوت العميق أعاد للأحداث بُعدًا أسطوريًا بينما ظل راسخًا في تفاصيل الشارع وأصواته.
أما على مستوى الصورة، فقد كان للتصوير دور بارز في إبراز الفكرة. الكاميرا لم تختر المشاهد السهلة أو المهيأة، بل اقتحمت السوق الشعبي بأجوائه المكتظة، لتصور حركة بيع الجبنة القديمة وفرز الخضار وتبادل الأصوات بين الباعة والمشترين. هذا التوثيق الواقعي الصعب جعل الصورة قاسية أحيانًا، لكنها عكست بدقة البيئة التي تنتمي إليها البطلات، وأكدت أن الكاميرا كانت في قلب الحياة، لا على هامشها.
الإخراج ركّز على ملامح الشخصيات ونظراتهن، وهو ما منح المتفرج نافذة إلى داخل أرواحهن المقهورة ولكن الصامدة. بدا واضحًا أن المخرجة أرادت أن تطرح تساؤلات أكثر من أن تقدّم إجابات: هل “ست” فعلًا هو رمز الشر، أم أنه تعبير عن إنسان مقهور لم يجد لنفسه مكانًا في معادلة العدالة؟ وهل المرأة القوية في المجتمع الشعبي “مجرمة” كما يُصوَّر لها، أم أنها فقط تبحث عن كيانها وحقوقها؟
- فيلم الست بسيمة
يقدم الفيلم تجربة إنسانية شديدة الصدق، تمزج بين الحس التسجيلي والروح الدرامية، ليصوغ صورة بصرية دافئة عن المرأة المصرية البسيطة التي تواجه الحياة بإيمان وعزيمة. تدور أحداثه حول “الست بسيمة”، السيدة المكافحة التي تعمل في مركز رمسيس ويصا واصف لصناعة السجاد اليدوي، حيث عُرفت بمهارتها وشغفها بالحفاظ على هذا الفن التراثي العريق.
يرصد الفيلم يومها منذ لحظة خروجها من منزلها وحتى وصولها إلى مقر عملها، متتبعًا تفاصيل حياتها اليومية بحميمية وصدق. ومن خلال حديثها، تتكشف ملامح رحلة إنسانية مثقلة بالتحديات، خاصة مع مسؤوليتها تجاه ابنها الشاب الذي يعاني من شلل الأطفال، ما يضاعف من أعبائها، لكنها تواجه كل ذلك بروح مفعمة بالرضا والإيمان.
اعتمدت المخرجة على أسلوب المعايشة الحرة، فجاء الفيلم أقرب إلى مساحة مفتوحة تمنح بطلتها حرية التعبير عن ذاتها بعيدًا عن أي افتعال. وتجلت رؤيتها الإخراجية في عدد من العناصر البصرية والسمعية اللافتة، من بينها التتابع البصري الدافئ الذي ينقل تفاصيل اليوم ببساطة عميقة، إلى جانب توظيف الأغنية الشعبية “سعيدة يا بيه” كوسيلة للتعبير عن الفرح الداخلي والرضا، حين تشارك البطلة صديقتها الغناء في لحظة تنبض بالبهجة والإيمان.
كما ينساب إيقاع الفيلم بهدوء يعكس نسق الحياة اليومية، بعيدًا عن المبالغة، مع اهتمام خاص بالتفاصيل الصغيرة التي تحمل دلالات كبيرة، مثل كوب الشاي الذي تحرص البطلة على إعداده بين الحين والآخر، ليغدو رمزًا للاستمرارية والسكينة وسط صخب الحياة.
يتجاوز “الست بسيمة” حدود الفيلم التسجيلي التقليدي، ليتحول إلى دراما إنسانية نابضة بالحياة، تتجسد فيها صورة المرأة المصرية التي تصنع من معاناتها طاقة للاستمرار. إنه فيلم عن الصمود، وعن قدرة الإنسان على تحويل الألم إلى قوة، والعمل إلى معنى، والفن إلى متنفس وأمل.
ومن خلال هذه الحكاية، يطرح الفيلم أسئلة إنسانية عميقة: كيف تتحول البساطة إلى شكل من أشكال المقاومة؟ وكيف يصبح الفن الشعبي، سواء في صناعة السجاد أو الغناء، وسيلة للتشبث بالأمل؟ وما الذي يمنح الإنسان القدرة على الصمود أمام التحديات الاجتماعية والاقتصادية والصحية؟
- فيلم شروق فى عز الضهر
يقترب الفيلم التسجيلي القصير «شروق في عز الضهر» للمخرجة نهى نبيل من حياة امرأة اختارت أن تواجه مسؤولياتها اليومية بالعمل والكفاح، مقدّمًا حكاية إنسانية بسيطة في تفاصيلها، لكنها تحمل الكثير من الدلالات حول المرأة وقدرتها على مساندة أسرتها وصناعة حياة أفضل لأبنائها.
تدور الحكاية حول إيمان، التي تُعرف بلقب «أم شروق»، وهي زوجة وأم لعدد من الأبناء، قررت ألا تكتفي بدورها داخل المنزل، بل أن تكون شريكة حقيقية في تحمل أعباء الحياة ومصاريف أسرتها. ومن أجل ذلك، اشترت تروسيكل تضع فيه الخضروات، وتخرج به يوميًا لتجوب الشوارع بحثًا عن رزقها.
لا يقدم الفيلم إيمان باعتبارها شخصية استثنائية بالمعنى التقليدي، وإنما يترك الكاميرا تقترب من تفاصيل يومها العادي؛ خروجها من أجل العمل، حركتها بين الناس، بحثها عن الزبائن، ومحاولتها العودة في نهاية اليوم بما يكفي لتشارك في تدبير احتياجات بيتها. ومن خلال هذه التفاصيل تتشكل صورة امرأة تعرف قيمة ما تفعله، وتؤمن بأن السعي والعمل الشريف هو الطريق الذي اختارته لنفسها ولأسرتها.
وتبدو قيمة الفيلم التسجيلية في أنه لا يحتاج إلى أحداث ضخمة حتى يصنع دراما إنسانية؛ فالحياة اليومية لإيمان تحمل وحدها قدرًا كافيًا من الصراع. امرأة تتحرك في الشوارع بحثًا عن لقمة العيش، وفي الوقت نفسه تحمل داخلها حلمًا أكبر من مجرد توفير مصاريف اليوم، وهو أن ترى أبناءها في مستقبل أفضل، وأن تمنحهم فرصًا وحياة مختلفة عما عاشته هي.
ويصبح التروسيكل في الفيلم أكثر من مجرد وسيلة للعمل؛ فهو يتحول إلى رمز لإرادة إيمان في الاعتماد على نفسها، وتحويل أداة بسيطة إلى مصدر رزق ومساحة لتحقيق ذاتها. إنها لا تنتظر أن يأتيها الرزق، وإنما تخرج إليه كل يوم، بما يحمله ذلك من تعب ومشقة ومواجهة مستمرة مع ظروف الحياة.
ومن أجمل ما تحمله شخصية إيمان ذلك الشعور الواضح بالفخر بما تفعله. فهي لا تنظر إلى عملها باعتباره عبئًا أو انتقاصًا من دورها كزوجة وأم، بل تراه مساهمة حقيقية في بيتها، ودليلًا على قدرتها على الوقوف إلى جوار أسرتها. كما يحمل حلمها بأن يفخر بها أهلها وأن يراها أبناؤها نموذجًا للمرأة المكافحة، بعدًا عاطفيًا يجعل الرحلة اليومية من أجل الرزق مرتبطة بمعنى أعمق يتجاوز المال.
ويضع «شروق في عز الضهر» المرأة العاملة في قلب الصورة، لا باعتبارها شعارًا، وإنما باعتبارها إنسانة لها احتياجات وأحلام ومسؤوليات. فإيمان لا تبحث فقط عن دخل يساعدها على مواجهة أعباء الحياة، وإنما تسعى لأن تترك لأبنائها صورة مختلفة عن معنى الكفاح؛ امرأة خرجت لتعمل بكرامة، وسعت وراء رزقها بالحلال، وحاولت أن تكون سندًا لأسرتها مهما كانت مشقة الطريق.
ومن هنا تأتي دلالة العنوان «شروق في عز الضهر»؛ فـ«الشروق» يرتبط عادة ببداية اليوم والأمل والبدايات الجديدة، بينما «عز الضهر» يحمل معنى ذروة الحرارة والمشقة. وبين الكلمتين تختصر حكاية إيمان: أمل تحاول أن تصنعه وسط ظروف قاسية، ونور تبحث عنه وهي تتحرك في منتصف النهار وراء رزقها.







