
تقرير : مروة السورى
يأتي الفيلم التسجيلي القصير «البحث عن عباس صابر» بوصفه محاولة جادة لإعادة الاعتبار إلى واحد من أهم الأسماء التي عملت في صمت داخل صناعة السينما المصرية، وهو عباس صابر، أحد أشهر من تخصصوا في مجال الإكسسوار السينمائي، ذلك المجال الذي ظل لسنوات طويلة بعيدًا عن الأضواء رغم تأثيره المباشر في تشكيل الصورة السينمائية وبناء العالم البصري للأفلام.
الفيلم من سيناريو ومونتاج وإخراج دينا حسن أبو العلا، ويتخذ من “البحث” مدخلًا دراميًا وفكريًا، ليس فقط عن شخص، بل عن مهنة كاملة طالما وُضعت في الهامش. فالبحث هنا لا يقتصر على تتبع سيرة عباس صابر المهنية، بل يمتد ليطرح تساؤلات أوسع حول الذاكرة السينمائية، ومن يكتبها، ومن يتم الاحتفاء بهم، ومن يظلون خارج إطار الكاميرا.
يرصد الفيلم مراحل مختلفة من حياة عباس صابر، معتمدًا على شهادته الذاتية بوصفها المصدر الأساسي للسرد، حيث يحكي عن بداياته، وتكوينه المهني، وتطوره داخل منظومة الإنتاج السينمائي، وصولًا إلى عمله مع كبار صناع السينما في مصر. ويُبرز الفيلم علاقته بالمخرج يوسف شاهين، التي تبدو واحدة من المحطات الأهم في مسيرته، خاصة من خلال مشاركته في أفلام مثل «إسكندرية كمان وكمان»، حيث يكشف عن تفاصيل وكواليس تتعلق بكيفية اختيار الإكسسوارات ودورها في التعبير عن الشخصيات والسياق الزمني.
كما يتوقف الفيلم عند تعاونه مع المخرج الكبير صلاح أبو سيف، أحد رواد الواقعية في السينما المصرية، وهو ما أتاح لعباس صابر العمل ضمن رؤى إخراجية تعتمد على الدقة التاريخية والصدق البصري، فضلًا عن علاقته بـ مهندس الديكور أنسي أبو سيف، حيث يظهر التكامل بين الإكسسوار والديكور كعنصرين متلازمين في بناء المشهد السينمائي. كذلك يشير الفيلم إلى عمله مع المخرج خالد يوسف، متناولًا اختلاف الأجيال والرؤى الإخراجية، وكيف انعكس ذلك على طبيعة العمل ومتطلباته.
ومن خلال حديثه عن أفلام مثل «العاصفة» وغيرها من الأعمال، ينجح عباس صابر في كشف الجانب غير المرئي من صناعة السينما، حيث تتحول الإكسسوارات من مجرد عناصر تكميلية إلى أدوات درامية تحمل دلالات نفسية وتاريخية، وتساهم في خلق مصداقية العالم السينمائي.
على المستوى الفني، يعتمد الفيلم على أسلوب تسجيلي بسيط وغير متكلف، يراهن على قوة الحكاية والذاكرة بدلاً من الإفراط في الوسائط البصرية أو الشهادات المتعددة. ويؤدي المونتاج دورًا محوريًا في تنظيم المادة السردية، والانتقال بين الأزمنة والتجارب، بما يسمح بتكوين صورة متكاملة لمسيرة رجل عاش عمره في خدمة الصورة دون أن يكون في مركزها.
ويحسب للفيلم أنه لا يقدم عباس صابر بوصفه “بطلًا استثنائيًا” بقدر ما يقدمه كـ نموذج لصنّاع الظل، أولئك الذين تشكلت على أيديهم ملامح السينما المصرية عبر عقود، دون أن تحظى أسماؤهم بالتوثيق الكافي أو التقدير المستحق. ومن هنا، يتحول الفيلم إلى وثيقة بصرية وإنسانية، تفتح بابًا لإعادة النظر في مفهوم النجومية داخل السينما، وفي أهمية توثيق المهن السينمائية المختلفة قبل أن تطويها الذاكرة.
في مجمله، يمثل فيلم «البحث عن عباس صابر» تجربة تسجيلية واعية، تجمع بين التوثيق والتأمل، وتؤكد أن تاريخ السينما لا يُكتب فقط بأسماء المخرجين والنجوم، بل أيضًا بأيدي أولئك الذين صنعوا التفاصيل الصغيرة، والتي من دونها ما كانت الصورة لتكتمل أو تبقى في الوجدان.
- نال العمل تنويه لجنه التحكيم بمسابقة المخرجة عزيزة أمير بمهرجان القاهرة السينمائي الدولى للفيلم القصير فى دورته السابعه
- تنويه خاص: “البحث عن عباس صابر” للمخرجة دينا حسن أبو العلا (المعهد العالي للسينما بمصر) من مهرجان قرطاج السينمائي الدولى بتونس
