فيلم «ستموت فى العشرين» صورة خلابة تعكس روح السودان وسيفونية تعزف أوتارها لكبح التشاؤمية من الموت

 

بوستر الفيلم 

 


تقرير : مروة السوري

 

عرض الفيلم السودانى الطويل  “ستموت فى العشرين”  مساء أمس ضمن فعاليات مهرجان الأقصر للسينما الإفريقية تحت إشراف وزارة الثقافة وصندوق التنمية الثقافية ونادى السينما الإفريقية وقد إدار الندوة الناقد السينمائى أحمد شوقى بحضور عدد من صناع الفيلم والفنان صبرى فواز والمخرج مجدى أحمد على والمخرج مجدى كامل والمنتج الفنى صبرى السماك والاستاذ جمال عبد الناصر .

 

والذى أشار إلى أن الفيلم تأثر بشكل كبير بسينما المخرج شادى عبد السلام والمخرج داوود عبد السيد والمخرج رضوان الكاشف  وهذا يزيد من متعه مشاهدة الفيلم .

وقد توجهت الفنانة عزة الحسينى مدير مهرجان الأقصر للسينما الإفريقية بالشكر إلى موزع الفيلم المنتج والسيناريست مدير مهرجان القاهرة السينمائى محمد حفظى ومنتج الفيلم المصري حسام علوان وكل صناع العمل الذى اتاحوا الفرصة بعد عرض الفيلم فى مهرجان الجونة السينمائى بأن يعرض ضمن فعاليات مهرجان الأقصر للسينما الإفريقية بمركز الإبداع الفنى والذى يعتبر خطوة هامة بتاريخ السينما الإفريقية بل وعودة حيه للسودان للمشاركة بالأعمال الفنية .

  

 عزة الحسينى 

 

وأكد السيناريست سيد فؤاد مدير مهرجان الأقصر للسينما الإفريقية بأن السودان لمدة 26 عام لم تقدم فيلم روائى طويل ، فالسودان تستحق بأن يعرض جانب كبير من تاريخها الإفريقي الملىء بالزخم الحضارى والإجتماعى كثير التشعبات ، فظروف السينما فى السودان تمر بكثير من الظروف التى يصعب فى كثير من الاحيان التوجه الفنى الحقيقى لصناعه أفلام قصيرة أو طويلة ، ويعتبر “فؤاد” نفسه ضمن صناع الفيلم لأشادته البالغه بالأداء الفنى القائم عليه صناع فيلم “ستموت فى العشرين” .

وقد قام نادى السينما الإفريقية وهو تابع لمشروع مهرجان الاقصر للسينما الإفريقية منذ عامين ويستعرض أفلام افريقية مترجمة  بـ15 محافظة بالتعاون مع صندوق التنمية الإفريقية وهيئة قصور الثقافة .

 

 سيد فؤاد 

 

استعرض خلال قصته الواقع السودانى من منظور إجتماعى ثقافى حيث قدم روح البيئة السودانية من خلال قصه عائله سودانية وقعوا فى أسر نبوءه أحد الشيوخ بوفاه وليدهم الرضيع فى عمر العشرين عامًا وتحولت حياة العائلة 180 درجة حيث تسبب ذلك الأمر إلى قرار الأب بالذهاب بعيدًا عن زوجته وابنه حتى لا يشاهد لحظات وفاته ، ومن جانب آخر يستعرض الفيلم منعطفات من حياة الأبن “مزمل” الفنان مصطفى شحاته وعلاقاته مع الأخرين علاقه الخوف والقلق والتى يعيشها مع والدته “سكينة” وحب المراهقة والانطلاقه مع الشابه “نعيمة” وعلاقته مع المصور “سليمان” وخادمته من ناحية وعلاقته بالجامع وحفظ القرآن والتى كانت تلك العلاقه من أكثر العلاقات تعقيدًا بالفيلم حيث ركز خلالها المؤلف والسيناريو بوجه عام على أن يجعل تلك العلاقه ليست مجرد علاقه عابره بأحد المصورين بل وصل الأمر إلى إنشاء التناقض بين الدنيا والأخرة بخيوط رفيعه إلا وهى كيف تسير حياة الإنسان على أرض الواقع وهو يعلم جيدًا بأن أجله سيقترب هل سيفكر يومًا بارتكاب الذنوب والخطايا ليحقق ميزان العدل فى الحساب والعقاب أم سيظل كما هو لا يقترف الذنوب يومًا لتبقى صفحته ناصعه البياض

هل صحيح الإنسان يستطيع تلك النظرية أم لا هذا ما كان يركز محور السيناريو العام هو عدم الدعوة لأقتراف الذنوب ولكن إظهار مدى ضعف إيمان الإنسان المتذبب أو الغير مقتنع بما تقرر به ذاته ويتجه للأستماع إلى الاراء الخاطئة التى تحتوى على عقيدة غير مفهومة بلسان من يدعى بأنهم أصحاب البركة والفضيله وبأن من لم يكن معهم على نفس الخط يكن كافرًا وهذه أولى الخيوط الموجهه للإرهاب الذى يستغل الجهل والفقر والمفاهيم الخاطئة لتبرير مفاهيم الحلال والحرام وهم لا يعلمون جيدًا بأن العقل دليل الرشد .

كما ركزت الكادرات السينمائية وكأنها لوحة فنية ليس لها نهاية فى الانتقال ما بين حالات البكاء والحزن وحالات الهدوء والفرح ونقل الافراح السودانية والمشاعر الإنسانية وكأن المشاهد جزء لا يتجزأ بها فرغم أن المشاهد باللغة السودانية وبعض العبارات كان من الممكن إلا يتفهما الكثير ولكن يكفى التمسك الأصيل باللغه وأصولها والتى بات واضحًا فى مشاهد القرآن الكريم والذى كان من الواضح رغبة البطل فى إلا يقرأها غير باللغه العربية .

 

كذلك ركز السيناريو على إدخال عناصر من الصورة السينمائية المصرية على أحداث الفيلم كمثل أن الفنانة هند رستم رمزًا للأنوثه ليس فقط بمصر بل أمتد الوصال إلى قارة إفريقيا ، كذلك الصوت الجهورى الرائع والموسيقى الدافئه بأغنية مش أنا اللى أبكى للموسيقار محمد عبد الوهاب والأغنية الهادئه مع الأجواء الممتلئة بالبرودة بصوت أسمهان بأغنية الطيور وألحان القصبجى كذلك الراقصة سامية جمال رمز الرقص الشرقي والغربي فى أن واحد وهنا يؤكد السيناريو على أن للموسيقى تأثيرها الإيجابى على أحداث الفيلم والتى تم مزجها مع الصورة بطريقة خلابة . 

 

ورغم أن محور أحداث الفيلم هو كيف يواجه البطل حياته وهو يعلم بأنه سيموت مبكرًا فى مرحلة المراهقة إلا أنه يلاحظ بأن خلال الاحداث كان التركيز على مدى تأثر الأب (الفنان طلال عفيفى)  والأم بتلك المشكله والذى أظهر خلاله المؤلف مدى تراجع الأب عن دوره الفطرى فى الإيمان بفضاء الله وعدم رغبته فى متابعه مراحل نمو ابنه بل فروره هاربًا حتى لا يتلفظ ابنه انفاسه اخيرة بين يده كما كان فى عقده نفسية قديمة له عندما توفى شقيقه أمامه وعلى هذا الخط كان لأهل القرية تأثيرًا سلبيًا على شخصيته فقد رسمت أحداث السيناريو بأن الجميع يؤقلمون ذاتهم على أنه على غير قيد الحياة فحتى الأم رغم أنها قريبه من ابنها وعكفت على أن يكون ابن صالح ولكنها كانت رمز للسلبية واليأس وخاصة حين ركز المصور على أنها جعلت منزلها وكأنها مقبرة على أرض الواقع بل وايضا مشاهد ذهابها للقبور ليلاً ونهارًا حتى تختار مدفن ابنها وصراعها مع الأب كنوع من الكوميديا السوداء لإختيار أين سيدفن هل بجانب جده من الأم أم من جده من الأب ؟

عكس شخصيه حبيبته “نعيمه” والمصور “سليمان” هم رموز الحياة بالنسبة له ببهجتها بذنوبها وبخطاياها وبسهراتها بتمردها على فكرة اقتراب الموت بإيمانهم بأنه قضاء نافذ أمره ولكن مع اقترابه يجب أن يعيش الإنسان الحياة بكل متناقضتها حتى يؤمن بفكرة الفرق بين ما هو الحلال الحقيقى والحرام الحقيقى والمغفرة من الخطايا حيث قصة الحب التى جمعت بين مزمل ونعيمة هى التى جعلت للفيلم نكهته الرومانسية الخاصة رغم أحداث الفيلم التراجيدية بشكل كبير 

 

 

ومن الجميل فى الفيلم هو عكس صورة حيه للبيئة السودانية من مظاهر طبيعية من جلسات النساء سويًا من احتفالات وأفراح بتفاصيلها  وهذا يؤكد على أنهم يعيشون حياتهم الطبيعية وليست حياتهم مجرد مجاعه أو فقر أو تخلف بصورة كبيرة وأنما هم بشر يشعرون ويتفاهمون أمور الحياة نراها تلقائية تارة سلبية تارة أخرى ولكنها حياة طبيعية وليست من وحى الخيال .

 

فقدم المخرج أمجد أبوالعلا، ومدير التصوير الفرنسي سيباستيان جوبفيرت صورة جميلة وشاعرية من خلال التوظيف الجيد للمكان واختيار مواقع التصوير بالقرب من نهر النيل والتي تمثل مناظر طبيعية جميلة في حد ذاتها، والاعتماد على التباين الشديد بين النور والظلام من خلال الإضاءة الطبيعية في المشاهد النهارية، وإضاءة الشموع في المشاهد الليلية، وذلك أسهم في تعزيز الإحساس بشاعرية الصورة.

 

بالإضافة إلى التنفيذ المميز لتصميم الديكور والأزياء، والذي ساهم في التأسيس لعالم الفيلم الخاص الذي تسيطر عليه معالم المجتمع البدائي في محاولة لطمس أي معالم لهوية المكان أو الزمن الذي تدور فيه الأحداث.

وتعاون كل من مدير التصوير والمخرج على أن يكون الفيلم بصورة مميزة، خاصة في المشاهد التي تبرز بعض مظاهر الثقافة السودانية في هذه المنطقة، وكذلك تعويض قلة الحوار في بعض المشاهد بالصورة، وهو المطلوب بالتأكيد في الوسيط السينمائي، أما الموسيقى فهي  موسيقى أمين بوحافة وجاءت لتضيف المزيد من الشجن.

 

والتى تخلق قرية سودانية صوفية الطابع، تضع بها “سكينة” الأم  ولدها الذي طال انتظاره، والتي تبدو بشخصية ذات قوة وقدرة على الصلابة والتماسك، رغم مشاعر الترقب والانتظار التي فرضتها عليها، بعد نبوءة شيخ ذهبت إليه برضيعها لتباركه، ليقول لها أنه سيموت عندما يكمل عامه العشرين.

 

حيث طيلة الوقت يرتدى البطل اللون الأبيض و يحمل الكفن على يده ، فلغه عينيه وبطىء إيقاعه فهو حبيس فكرة الموت وتعتبر لحظه رجوعه إلى الحياة هى لحظة النهاية وتحطيم تابوت الخوف والجرى وراء العربة والتى ترمز للسرعه وحب الحياة والستائر الزرقاء بالفيلم  وايضا كادر طاقة النور التى طالما كان بطلاً حقيقًا خلال أحداث العمل والتى كانت تتخلل المنزل الذى يشبه المدفن فى فكرته والذى قام فى نهاية الأمر البطل بغلق الباب على والدته وإداره ظهره لها ليس عقوقًا منه وأنما سخط على أفكارها التى كانت سببًا فى تدمير أجمل أيام حياته وضياع حبيبته منه .

 

ولم يقصد هنا ايضا الفيلم محاربة الموت وهو حقيقة مؤكدة وأنما محاربة الجهل والشعوذه والتشاؤمية من الموت التى يحدثها الأخرين والغرض منه ابراز تعاليم مغلوطة عن حب الدين وانتظار الأخرة بإيمان ويسر .

 

جدير بالذكر أن الفيلم بطولة الفنان مصطفى شحاته والذى قام بدور الابن فى مرحله المراهقه فى أولى بطولته السينمائية وقد استغرق تصوير الفيلم لمدة شهرين ، قام بدور الأب الفنان طلال عفيفى ، منتج الفيلم بالسودان محمد العمدة ، محمود السرجي فى دور المصور سليمان ، إسلام مبارك فى دور الأم سكينة ، بوتا خالد فى دور نعيمة ، معتصم راشد فى دور مزمل بمرحلة الصغر ، مساعد أول إخراج عبد الوهاب شوقى ، مونتيرة هبة شوقى  ، منتج الفيلم المصري حسام علوان .

 

وقبل أسابيع قليلة فاز مخرج الفيلم السوداني أمجد أبوالعلا بجائزة «أسد المستقبل» من مهرجان فينيسيا السينمائي والتي تمنح لأصحاب العمل الأول،  والمقتبس عن قصة «النوم عند قدمي الجبل» للكاتب السوداني حمور زيادة. جائزة مرموقة من أحد أكبر المهرجانات السينمائية في العالم، دفعت بالفيلم إلى دائرة الضوء، لا سيما وأنه ينتمي إلى السينما السودانية شحيحة الإنتاج، فالفيلم هو السابع في تاريخ السينما الروائية السودانية، والأول منذ عشرين عامًا كل هذه العوامل أضفت طابعًا رومانسيًا على الفيلم حتى قبل مشاهدته .

كما فاز الفيلم بالجائزة الكبرى نجمة الجونة الذهبية  بمهرجان الجونة السينمائى  لعام 2019 لأفضل فيلم روائى طويل .

 

محررة الموقع مع المنتج السودانى محمد العمدة منتج فيلم ستموت فى العشرين 

 

محررة الموقع مع جانب من الجالية السودانية عقب العرض الفيلم 

 

 

 

 

 

Scroll to Top