فيلم «vice» .. يكشف الكواليس الخفية داخل البيت الأبيض

أبدعه المخرج آدم مكاى مع كريستيان بيل..
رب صدفة خير من ألف ميعاد، هذا ما ينطبق على مع ما حدث للمخرج آدم مكاى، وربما للسينما العالمية أيضًا، ففى آواخر شتاء عام 2016، وفى استراحة مبدع عقب مسيرة الجوائز للجولدن جلوب والأوسكار متابعًا فيلمه The Big Short، ووسط أسوأ إنفلونزا يمكن تخيلها مر بها مكاى كما يصفها، وبنظرة غير مقصودة إلى رف الكتب الخاص به لفت نظره كتاب ديك تشينى «القوة الاستثنائية: لماذا يحتاج العالم إلى أمريكا قوية»، ليبدأ التفكير فى تقديم عمل عن هذا اللغز المحير، وليصبح بمثابة الكاشف للسياسة الأمريكية بأكملها فمن شاهد فيلم النائب (vice) أحد أفلام السيرة الذاتية والدراما الكوميدية من تأليف وإخراج آدم مكاى، يدرك بكل يقين أن ديك تشينى كان يقود إدارة الرئيس السابق جورج بوش، وأنه حقًا أقوى نائب رئيس فى التاريخ، ويمكن تلخيص الرؤية السياسية للفيلم بالإشارة إلى أن «تشينى» كان يعطى المشورة وبوش يتخذ القرارات». لذلك لم يكن غريبًا أن «تشينى» أقدم على الاستقالة 3 مرات قبل انتخابات 2004، لكن بوش رفض ذلك؛ وستعرف السبب الرئيسى فى فشل السياسة الأمريكية بسوريا وكوريا الشمالية وعملية السلام فى الشرق الأوسط. وستتأكد أن كل ذلك ربما يرجع إلى عشق تشينى للحفاظ على التفوق العسكرى الأمريكى، من خلال رؤيته هو وستكتشف أن مثلية ابنته مارى هى السبب وراء رفضه التعديلات الدستورية التى تمنع زواج الشواذ جنسيًا، ودفاعه لإلغاء سياسة «لا تسأل لا تخبر»، التى تشير إلى القيود المفروضة على الجنود الأمريكيين الشاذين جنسيًا خلال الخدمة. أم الأخطر فى هذا العمل أنك ستتأكد، إنسان لم يعترف أبدًا بالخطأ فى حرب العراق، وستعيش تفاصيل تواجده فى الحكومة الأمريكية منذ أواخر 1960 حتى أوائل 1990، وانتقاله من السلطة التنفيذية لمجلس النواب ليعود إلى السلطة التنفيذية لاحقًا، فمنذ عهده كرئيس لموظفى البيت الأبيض للرئيس الأمريكى الأسبق جيرالد فورد حتى أيامه كوزير للدفاع لبوش الأب، كان يحاول الظهور بشكل ذكى، لذلك عندما اختاره بوش ليكون نائبًا له رأى جميع زملائه أن «تشينى» رجل يلتزم بكلمته. وستعرف من (vice) أن تشينى كان من المؤيدين لتوسيع صلاحيات السلطة التنفيذية، بسبب ما يتردد عن نفوذه القوى فى البيت الأبيض. وفى الواقع أن آدم مكاى استفاد كثيرًا عند كتابة وإخراج الفيلم من كتاب «القوة الاستثنائية: لماذا يحتاج العالم إلى أمريكا قوية» ومذكرات «فى زمنى» لديك تشينى، الذى كان مستعرضًا لمشوار حياته وشاركت فى إعداد الكتاب ليز تشينى، ابنة نائب الرئيس، وفى الواقع أن شخصية تشينى التى تتميز بالعناد وغير المستعدة للاعتذار عن أى خطأ مهما كان إلى جانب أنه لا يعبأ بأى نقد تبدو واضحة بشكل كبير فى الكتاب، والفيلم الذى كان مكاى موفقًا عندما بدأه بمشهد إدارة تشينى لأحداث ستمبر، بينما اختفى من الصورة تمامًا بوش، خاصة أنه حصل من على تفويض رأسى بإدارة الأمور، وفى الواقع هذا هو تشينى وعلاقته بالرئيس السابق بوش، الذى كان ذا نظام فريد فى الإدارة، حيث أعطى نائب الرئيس سلطات واسعة بتصريح من الرئيس شخصيًا. ويبدو من المشهد الوثائقى الحقيقى فى الفيلم أن كل الموجودين أثناء الأزمة بمن فيهم كوندليزا رايس مجرد كومبارس فى وجود تشينى. وكان جميلًا من السيناريو أنه ركز على أن بينما العالم والأمريكان فى حالة رعب من هجوم سبتمبر، بينما رأى تشينى أنها فرصة لأهداف أمريكية فى منطقة الشرق الأوسط، بحجة شن الحرب على الإرهاب، ومواجهة العراق بدعوى مساندتها الارهاب وسعيها للحصول على أسلحة الدمار الشامل وظهر خلال الفيلم أنه كان يبحث عن أى دليل، ولو وهمى لغزو العراق! وهذا العمل لعب فيه بإحكام واقتدار«آدم مكاى» ليثبت ما يدور خلف الأبواب المغلقة فى البيت الأبيض والصراع المستمر فيما بين أعضاء الإدارة. بل ويشير بمشاهد بشعة استمرار اقتناع تشينى بسلامة وصحة وقانونية أساليب العنف، التى اتبعت فى عمليات استجواب المشتبه فى مشاركتهم فى أى عمل إرهابى، ومن هذه العمليات والأساليب عملية إغراق الرأس فى الماء حتى يشعر الشخص بأنه سيموت غرقًا، فيضطر إلى الاعتراف بما لديه من معلومات، هذا إلى جانب عمليات الحرمان من النوم لفترات طويلة والتعذيب الجسدى. والحقيقة أن مكاى لم يعتمد فقط على الكتاب، لكن قرأ العديد من المقالات عن تشينى، وشاهد مقابلاته للبحث عن زلة لسان ليتأكد فى النهاية أن تشينى لاعب سياسة محترف، وكم كان يتلاعب بالنظام فى واشنطن، وأنه قد يكون أسوأ مما كانوا يعتقدون.
كان السيناريو موفقًا فى إظهار التغيرات السريعة فى شخصية ديك تشينى من شخص سكير وفاشل إلى أحد أعمدة السياسة الأمريكية بداية من وجوده كمتدرب لدى عضو الكونجرس وليام شتايجر، وشق طريقه إلى البيت الأبيض خلال زمن ولاية الرئيسين نيكسون وفورد، حيث شغل منصب رئيس الأركان فى البيت الأبيض فى الفترة من عام 1975 إلى 1977. وفى عام 1978، تم انتخاب تشينى فى مجلس النواب الأمريكى الذى يمثل منطقة الكونجرس فى وايومنج وعمله كزعيم الأقلية فى المجلس فى عام 1989. وهناك مشهد غاية فى الخطورة حيث يظهر بوش الابن مخمورا وقيامه بأعمال غير مسئولة فى أحد الأحتفالات الرئيسية، ومن المعروف أنه تم اختيار تشينى ليكون وزير الدفاع خلال رئاسة جورج بوش الأب، وشغل المنصب لأغلب فترة ولاية بوش من عام 1989 إلى 1993. وخلال فترة عمله فى وزارة الدفاع، أشرف تشينى على عملية عاصفة الصحراء عام 1991، ولقد ظهرت لقطات تسجيلية لتشينى أثناء زيارته الصحراء العربية فى ذلك الوقت. وقفز الفيلم إلى أن أختير تشينى من قبل المرشح الجمهورى للرئاسة جورج دبليو بوش ليكون نائبه فى انتخابات عام 2000، و فى عام 2004، أعيد انتخاب تشينى لفترة الثانية نائب للرئيس.
ولقد أستطاع مكاى، مع أبطال فيلمه كريستيان بيل فى دور ديك تشينى وإيمى آدمز ستيف كارل وسام روكويل وبيل بولمان وأليسون بيل تقديم حقيقة تشينى بداية من أيام تشينى المخمورة، أيام الجحيم فى وايومنج وانتهاءً بأن سمسار بعد عملية تغيير قلبه، وقد كان هناك قدرة هائلة لاستخدام الفلاش باك من قبل المخرج للإشارة إلى فشله مرتين فى دراسته بجامعة يل الأمريكية، ومعاودته الكفاح، ثم دخوله الحياة السياسية وعمله عن قرب مع عدد من الرؤساء الأمريكيين حتى توليه منصب نائب الرئيس الأمريكى.. وتعرضه لأكثر من خمس أزمات قلبية خطيرة، وفى الواقع أن السيناريو أظهر الدور الكبير الذى لعبته زوجة تشينى «لين»، التى تحظى بين الأمريكان باحترام بالغ، خاصة فى الأوساط السياسية الأمريكية.
ولعل كريستيان بيل هو الممثل الوحيد الذى كان قادرًا على تصوير شخصية ديك تشينى، بقدرته الفائقة على إضافة الروح النفسية للشخصية، وكريستيان بيل جذب الانتباه لأول مرة فى عمر الـ13، عندما تم اختياره لفيلم إمبراطورية الشمس للمخرج ستيفن سبيلبرج، وحصل بيل على جائزة المجلس الوطنى للنقد 1987 لأفضل ممثل صبى عن دوره فيه. فى عام 2000 لعب دور قاتل متسلسل فى المجنون الأمريكى، الذى أشاد به النقاد. فى 2004 فقد 27 كليوجرامًا من أجل فيلم الميكانيكى. أما شعبيته فقد كانت بعد دور باتمان فى ثلاثية المخرج كريستوفر نولان، وأختير بيل لتجسيد شخصية النبى موسى فى فيلمٍ يحمل عنوان خروج: الآلهة والملوك من إخراج ريدلى سكوت.
وأبدعت إيمى آدمز بتشخيص دور زوجة ديك الميكيافيلية، خاصة أن لين تشينى كانت عبارة عن لغز بالنسبة لأدمز، لأنها لم تكن تعرف الكثير عنها حينما وافقت على القيام بالدور، فى الفيلم الذى يخرجه آدم مكاى، إلى جانب أن شخصية لين كانت تحتاج إلى الإلمام بالتفاصيل لكونها جذابة، وطموحة منذ سن صغيرة، وكانت تمثل الذراع اليمنى لتشينى وإيمى آدامز قدَّمت مجموعةً من الأعمال الرائعة ضمن مسيرتها الفنية، وحققت آدامز الميدالية الذهبية فى فيلم ديزنى Enchanted، الذى كان بمثابة الخطوة الأولى لتصبح أحد الوجوه الشهيرة فى هوليوود. قبل ذلك كله حققت آدامز اسمًا لها على شاشة التليفزيون عندما شاركت فى عددٍ من المسلسلات التليفزيونية، منها مسلسل Buffy the Vampire Slayer ومسلسل The West Wing، كما رُشحت آدامز أربع مراتٍ لجائزة الأوسكار خلال مسيرتها الفنية.
وأبهرنا ستيف كاريل فى دور دونالد رامسفيلد، ذلك السياسى ورجل الأعمال الأمريكى المتقاعد، الذى شغل منصب وزير الدفاع الثالث عشر فى الفترة من 1975 إلى 1977 فى عهد الرئيس جيرالد فورد، ثم أصبح وزير الدفاع الحادى والعشرين فى الفترة من 2001 إلى 2006 فى عهد الرئيس جورج دبليو بوش. وكان رامسفيلد عضوًا فى مجلس النواب الأمريكى لثلاث سنوات ومستشار الرئيس (1969 – 1973)، عندما أراد نيكسون التخلص منه الممثل الدائم للولايات المتحدة لدى الناتو (1973 – 1974)، لكنه عاد كرئيس لموظفى البيت الأبيض (1974 – 1975)، ومن المعروف والذى ظهر جليًا فى سيناريو الفيلم الدور الكبير الذى لعبه فى حياة ديك تشينى الذى غدر به فى النهاية، وحاول إلصاق أخطاء الحرب على العراق عليه، ولقد أثار رامسفيلد الكثير من الجدل لاستخدامه أساليب الاستجواب المعزز، فضلا عن فضيحة التعذيب وسوء معاملة السجناء فى سجن أبو غريب. واستقال فى أواخر عام 2006.
ولعب سام روكويل دور الرئيس الثالث والأربعين للولايات المتحدة، جورج دبليو بوش، وأعتقد أنه كان موفقًا، نظرًا لكونه ممثلًا كوميديًا، لأنه رئيس فى هذا العمل أقرب لخيال الظل، وسام روكويل عرف بدور مايكل سكوت فى النسخة الأمريكية من مسلسل المكتب، ولعب أدوارًا بطولية فى الأفلام مثل: البكر ذو الأربعين سنة (2005)، وإيفان الكبير (2007)، وكُن ذكيًا (2008)، حب مجنون، أحمق (2011)، بيرت وندرستون المذهل وفى الخلف تمامًا (كلاهما فى 2013). كما قام أيضًا بتأدية أدوار شخصيات صوتية فى أفلام الرسوم المتحركة: عبر السياج (2006)، هورتون يسمع من! (2008)، الحقير أنا فى الأعوام (2010، 2013 و2017). وحصل على جائزة الجولدن جلوب لأفضل ممثل فى البرامج التليفزيونية لعمله فى مسلسل المكتب. دوره الدرامى كمدرب مصارعة وقاتل مُدان (جون إلوثير دو بونت) فى فيلم صائد الثعالب (2014)، أكسبه العديد من الجوائز والترشيحات، بما فى ذلك ترشيحه لجائزة الأوسكار لأفضل ممثل. كما تلقى الإشادة لأدواره فى فيلم ملكة جمال الأطفال المبتهجين (2006) والكبير القصير (2015).
ولقد لعب المكياج فى فيلم «vice» دورًا كبيرًا من خلال أنامل جريج كانوم، إلى جانب أنه أضاف إلى كريستيان بيل 45 كيلو، لذلك لم يكن غريبًا أنه حصل على جائزة النقاد عام 2019.
الناقدة / حنان أبو الضياء – مجلة تلي سينما (فبراير 2019)
