«مدان».. عندما يتحول الهروب من الديون إلى سجن نفسي في معالجة سينمائية بعيدة عن الميلودراما

 

 

تقرير : مروة السورى

يقدم المخرج محمد الناقه في فيلمه الروائي القصير «مدان» معالجة سينمائية لقضية اجتماعية أصبحت تمس شريحة واسعة من الأسر، وهي أزمة الديون وما يترتب عليها من تداعيات إنسانية ونفسية تمتد آثارها إلى جميع أفراد الأسرة، وليس المدين وحده.

ينطلق الفيلم من حكاية تبدو بسيطة في ظاهرها؛ رجل يهرب من ملاحقة الدائنين بعد تعثره في سداد أقساط الأجهزة المنزلية، معتقدًا أن الابتعاد عن المواجهة قد يمنحه فرصة للنجاة. لكن الأحداث تكشف تدريجيًا أن الهروب لا ينهي الأزمة، بل ينقل عبئها إلى زوجته، التي تجد نفسها في قلب المأساة بعدما وقّعت على إيصالات أمانة، واضطرت إلى بيع أثاث منزلها في محاولة لإنقاذ الأسرة، قبل أن تصبح مهددة بالحبس تحت بند الغارمات.

ورغم حساسية القضية وما تحمله من مواقف إنسانية مؤلمة، يتجنب الفيلم الوقوع في فخ الميلودراما أو استدرار عاطفة المشاهد بصورة مباشرة، بل يعتمد على معالجة هادئة وواقعية، تضع المتلقي أمام تفاصيل الأزمة كما هي، وتدعوه إلى التأمل في آثارها الاجتماعية والاقتصادية دون مبالغة أو خطاب وعظي.

وتبرز اللغة السينمائية للفيلم بوصفها أحد أهم عناصر السرد، إذ يوظف المخرج المكان باعتباره شريكًا في بناء الحالة النفسية للشخصية. فالموقع الذي يختبئ فيه الزوج لا يبدو مجرد مكان للاختباء، بل صُمم بصريًا ليحمل ملامح الزنزانة أو غرفة العزل، في دلالة واضحة على أن الإنسان قد يتحول إلى سجين حتى وإن لم يكن خلف القضبان.

ويعكس الديكور الضيق، والفراغ المحيط بالشخصية، وطبيعة تكوين الكادرات، حالة الاختناق النفسي التي يعيشها البطل، لتصبح البيئة المحيطة امتدادًا لصراعه الداخلي، وكأن الخوف والذنب والعجز قد صنعوا له سجنًا غير مرئي، يفرض عليه عزلة قاسية عن العالم وعن أسرته.

وفي المقابل، يمنح الفيلم مساحة أكبر لتطور شخصية الزوجة، التي تتحول من شخصية هامشية إلى محور رئيسي للأحداث. فهي التي تتحمل تبعات قرارات لم تكن صاحبة اتخاذها، وتواجه وحدها المجتمع والقانون، في صورة تعكس واقعًا تعيشه كثير من الأسر التي تتحول فيها المرأة إلى الضحية الأولى للأزمات الاقتصادية.

ولا يطرح «مدين» قضية الغارمات باعتبارها حالة فردية، بل يقدمها بوصفها نتيجة لسلسلة من الضغوط الاقتصادية والاجتماعية التي تدفع بعض الأسر إلى الاقتراض دون امتلاك ضمانات حقيقية للسداد، ليكشف كيف يمكن أن تتحول الرغبة في توفير حياة أفضل إلى مأساة تهدد استقرار الأسرة بالكامل.

ويحسب للمخرج محمد الناقه اعتماده على لغة بصرية هادئة، تراهن على قوة الصورة والرمز أكثر من الاعتماد على الحوار المباشر، ما أضفى على الفيلم بعدًا نفسيًا واضحًا، وجعل المشاهد يقرأ معاني العزلة والخوف من خلال التكوين البصري والإضاءة وتصميم المكان، قبل أن يسمعها في كلمات الشخصيات.

وفي النهاية، لا يقدم «مدين» حلولًا جاهزة، ولا يصدر أحكامًا على أبطاله، بل يترك المشاهد أمام تساؤلات مفتوحة حول المسؤولية، وضغوط المعيشة، والثمن الذي قد تدفعه الأسرة عندما تتحول الديون إلى عبء يتجاوز حدود المال، ليصبح عبئًا نفسيًا وإنسانيًا يهدد كرامة الإنسان واستقراره.

Scroll to Top