
كتبت : مروة السورى
يشارك فيلم «مو صلاح» للمخرجة سارة نصير بجوائز PRIX JEUNESSE INTERNATIONAL لعامي 2025/2026 “الجودة في برامج الأطفال التلفزيونية حول العالم” مهرجان بيضم اكثر من ٥٠ دولة من العالم
يقدم العمل معالجة إنسانية شديدة القرب من الواقع، من خلال قصة أسرة تعيش داخل حي الزبالين بالمقطم، حيث تتحول تفاصيل الحياة اليومية البسيطة إلى مرآة تعكس أزمات الفقر، وضغوط المعيشة، والصراع المستمر بين الاحتياجات الأساسية وحق الأطفال في التعليم والحلم.
ينطلق الفيلم من داخل بيت بسيط تعاني أسرته من ضيق الحال، في ظل أب يرى أن الحل الوحيد للاستمرار هو دفع أطفاله الصغار إلى سوق العمل مبكرًا، حتى يتمكنوا من مساعدة الأسرة ماديًا، وهو ما يجعله يتعامل مع التعليم باعتباره رفاهية لا تتناسب مع واقعهم الصعب. ومن هنا تبدأ المخرجة في طرح واحدة من أهم القضايا الاجتماعية، وهي كيف يمكن للفقر أن يسرق من الأطفال أبسط حقوقهم، ليس فقط في التعليم، بل في تكوين أحلامهم وهويتهم الإنسانية.
لكن الفيلم لا يتوقف عند حدود عرض الأزمة فقط، بل يحاول أن يفتح نافذة صغيرة للأمل، حين تتدخل إحدى الجارات وتقترح على الأم تعلم حرفة جديدة بصحبة أطفالها، لتصبح الحرفة وسيلة للتغيير التدريجي داخل الأسرة. فالأمر لا يتعلق فقط بتحسين الدخل أو توفير احتياجات الحياة، وإنما بمنح الأطفال فرصة للتعلم، والاحتكاك بالعالم، واكتشاف أنفسهم بعيدًا عن فكرة أن مستقبلهم الوحيد هو العمل القاسي منذ الطفولة.
وتنجح المخرجة في تقديم هذه الفكرة بشكل بسيط وصادق، دون مبالغة درامية أو خطاب مباشر، معتمدة على تفاصيل الحياة اليومية للشخصيات، وهو ما منح العمل طابعًا واقعيًا قريبًا من الجمهور. كما جاء اختيار حي الزبالين بالمقطم كمكان للأحداث اختيارًا شديد الذكاء، لأن المكان نفسه يحمل دلالات اجتماعية وإنسانية مرتبطة بالكفاح والتهميش ومحاولة النجاة وسط ظروف قاسية.
ومن أبرز العناصر الرمزية داخل الفيلم، توظيف اسم وصورة محمد صلاح كحلم كبير بالنسبة للأطفال. فـ«مو صلاح» داخل العمل لا يمثل مجرد لاعب كرة قدم مشهور، بل يتحول إلى رمز للأمل وإمكانية النجاح رغم البدايات الصعبة. الأطفال يرونه نموذجًا يمكن أن يشبههم، شخصًا خرج من ظروف بسيطة ووصل إلى العالمية، لذلك تصبح كرة القدم داخل الفيلم أكثر من مجرد لعبة، بل مساحة للحلم والهروب المؤقت من قسوة الواقع.
واعتمدت سارة نصير على أسلوب إخراجي واقعي، قائم على نقل التفاصيل كما هي، مع الحفاظ على الجانب الإنساني والمشاعر الهادئة داخل الأحداث. وساعدت الأماكن الحقيقية المستخدمة في التصوير على منح الفيلم صدقًا بصريًا واضحًا، حيث بدت البيئة جزءًا أساسيًا من الحكاية وليست مجرد خلفية للأحداث. كما نجحت الكاميرا في التقاط التناقض بين قسوة الظروف المحيطة وبراءة الأطفال وأحلامهم البسيطة.
الفيلم أيضًا يحمل رسالة واضحة حول أهمية التعليم ودوره في كسر دائرة الفقر، لكنه يقدم هذه الرسالة بصورة إنسانية بعيدة عن الوعظ المباشر، من خلال تطور الشخصيات وتغير نظرتها للحياة بشكل تدريجي. وتبرز هنا شخصية الأم باعتبارها نقطة التحول الحقيقية داخل الأسرة، بعدما تبدأ في إدراك أن منح أطفالها فرصة للتعلم والحلم قد يكون الطريق الوحيد لإنقاذهم من تكرار نفس المعاناة.
وفي النهاية، يبدو «مو صلاح» فيلمًا عن الأحلام الصغيرة التي يحاول أصحابها التمسك بها رغم كل شيء، وعن الأطفال الذين يبحثون عن فرصة حقيقية للحياة وسط واقع قاسٍ، ليؤكد العمل أن الأمل قد يولد أحيانًا من أبسط التفاصيل، وأن الحلم يظل حقًا مشروعًا حتى داخل أكثر الأماكن صعوبة.
