
تقرير : مروة السورى
يقترب فيلم “نسيت مين أنا” للمخرج محمود صابر ، مشروع تخرج من المدرسة العربية للسينما والتلفزيون ، من منطقة شديدة الحساسية؛ حيث لا يتعامل مع مرض الزهايمر باعتباره حالة طبية فحسب، بل يقدمه بوصفه انعكاسًا لفقدان الإنسان إحساسه بذاته عندما تفرض عليه الوحدة عزلة قاسية. فمنذ مشاهده الأولى، يطرح الفيلم سؤالًا وجوديًا: هل ينسى الإنسان اسمه أولًا، أم ينسى نفسه عندما يتوقف الآخرون عن مشاركته الحياة؟
تجسد الفنانة أميرة فريد شخصية امرأة مسنة تعيش بمفردها بعد وفاة زوجها وسفر ابنتها، لتجد نفسها أسيرة منزل يزداد اتساعًا كلما تقلص حضور البشر فيه. وبين جدران هذا المكان تبدأ ملامح الزهايمر في الظهور تدريجيًا، لكنها في الحقيقة ليست سوى وجه آخر للوحدة، إذ يصبح النسيان نتيجة طبيعية لغياب الحوار، وغياب الذكريات المشتركة، وغياب من يذكرها بأنها لا تزال موجودة.
ما يميز الفيلم أنه لا يندفع نحو الميلودراما أو استدرار التعاطف المباشر، بل يبني عالمه من تفاصيل يومية بسيطة تتحول إلى علامات نفسية عميقة. فالمنزل لم يعد مجرد مكان للسكن، وإنما مساحة مغلقة تعكس اضطراب الشخصية، وكل ركن فيه يحمل أثرًا لذاكرة تتآكل ببطء.
ومن أكثر عناصر الفيلم ثراءً استخدامه للرمز البصري. فـكوب النعناع لا يبدو مجرد مشروب اعتيادي، وإنما يتحول إلى أثر حميمي لزمن مضى، وإلى عادة تحاول البطلة التشبث بها كي تمنع ذاكرتها من الانهيار الكامل. إنه تفصيل صغير، لكنه يختزن تاريخًا من الألفة، وكأن الاحتفاظ به محاولة أخيرة للاحتفاظ بالحياة نفسها.
أما النظر من خلف الشباك الحديدي فيعد من أكثر الصور تعبيرًا داخل العمل؛ إذ لا يبدو الحديد هنا حاجزًا ماديًا فقط، بل استعارة واضحة لسجن داخلي تعيشه البطلة. فهي ترى العالم يتحرك أمامها، لكنها لم تعد قادرة على الانخراط فيه، وكأنها أصبحت سجينة ذاكرتها المتداعية، أو ربما سجينة وحدتها التي فرضتها الظروف.
وتأتي غليان المياه كصورة بصرية تنقل ما يدور داخل الشخصية من اضطراب وصراع صامت، بينما يمثل انطفاء النار لحظة خمود تدريجي للحياة وللذاكرة معًا، وكأن الشعلة التي كانت تحفظ تفاصيل الماضي بدأت تنطفئ دون ضجيج. هذه العناصر لم تستخدم بوصفها ديكورًا، وإنما جاءت موظفة دراميًا لتجسيد الحالة النفسية التي تعيشها البطلة.
حتى الفوضى المنتشرة داخل المنزل لا تبدو نتيجة إهمال عابر، بل انعكاس مباشر للفوضى الداخلية التي بدأت تتسلل إلى عقل الشخصية، حيث تختلط الأزمنة، وتتداخل الذكريات، ويصبح ترتيب الأشياء مهمة مستحيلة كما يصبح ترتيب الحياة نفسها.
ومن أجمل اختيارات السيناريو، الذي كتبته نورا كمال، أنه لم يفصل بين الواقع والخيال بخط واضح. فالمرأة تستحضر روح شقيقتها الراحلة وزوجها المتوفى، وتحاول إرسال رسائل إليهما، وكأن الموت لم يعد حاجزًا حقيقيًا بالنسبة إليها. هذه المشاهد لا تقدم بوصفها أحداثًا خارقة للطبيعة، وإنما كتجسيد لما يحدث داخل عقل شخص بدأت حدوده مع الواقع تتلاشى شيئًا فشيئًا. هنا تصبح الأرواح امتدادًا للحنين، وتتحول الرسائل إلى محاولة أخيرة للتمسك بمن فقدتهم قبل أن تفقد نفسها بالكامل.
بصريًا، نجح مدير التصوير عبد الرحمن فؤاد في بناء عالم شديد الخصوصية، يعتمد على الإضاءة الهادئة واللقطات التي تمنح المنزل حضورًا دراميًا يكاد يوازي حضور البطلة نفسها. فالفراغات الواسعة، والزوايا الثابتة، والصمت الطويل، جميعها عناصر صنعت إحساسًا دائمًا بالعزلة والاغتراب، حتى بدا المكان وكأنه شخصية أخرى تراقب البطلة بصمت بينما تتآكل ذاكرتها.
كما يحسب للفيلم قدرته على استخدام الإيقاع البطيء كخيار جمالي وليس كضعف درامي. فالبطء هنا يعكس بطء الزمن داخل حياة امرأة لم يعد لديها ما تنتظره، ولم تعد الأيام بالنسبة إليها سوى نسخ متشابهة من بعضها البعض.
ولا يمكن إغفال دور المساعدة الإخراجية التي قدمتها نسمة أبو هيف، والتي انعكست في الحفاظ على انسجام الأداء وحركة الشخصيات داخل فضاء محدود، بما يخدم رؤية العمل القائمة على التفاصيل الدقيقة أكثر من الأحداث الصاخبة.
في المجمل، لا يتحدث “نسيت مين أنا” عن الزهايمر وحده، بل عن هشاشة الإنسان عندما يصبح وحيدًا، وعن الهوية التي قد تضيع قبل أن يضيع الاسم، وعن الذكريات التي تظل تقاوم النسيان حتى اللحظة الأخيرة. إنه فيلم يجعل المشاهد يدرك أن أخطر أنواع الفقد ليس فقدان الذاكرة، بل فقدان من يشاركنا هذه الذاكرة.
يقدم المخرج محمود صابر عملًا يعتمد على اللغة البصرية أكثر من الحوار، بينما يمنح سيناريو نورا كمال مساحة للتأمل في أسئلة الهوية والعزلة والحنين، ويأتي أداء أميرة فريد صادقًا ومؤثرًا، ليحمل ثقل التجربة الإنسانية دون مبالغة، في تجربة تؤكد أن السينما قادرة على تحويل التفاصيل اليومية البسيطة إلى أسئلة وجودية عميقة حول معنى الإنسان وذاكرته وحقه في ألا يُنسى.
